مسودة غير معدلة
الكلاسيكي
عُرف بين سائقين حافلات الأجرة الشعبية التي ترزح بين كل أنحاء المدينة.. حواريها، وشوارعها الرئيسية، وقريباً من أحيائها الراقية.. بالكلاسيكي..
وعلى مِن هؤلاء السائقين الذين يتسمون بالبجاحة والطبع الخشن، وربما من الجهل الكثير، كان هو مُختلفاً عنهم، حتى لتحسبه أحد الرُكاب المحترمين الذين سيركبون ضمن ركاب الحافلة الصغيرة بعد أن جارت عليه الدنيا، وسلبته من رزق الله الذي قد يُبوئه مقعداً ليناً مريحاً في سيارات الأجرة التي تُسمى "تاكسي"..
ملبسه نظيف، ومُهندم، وتعلو أنفه نظارة ذات إطار فضي رفيع، تكاد تشعر عند رؤيته بها كأنه خريج إحدى كليات القِمة.. ومن الغريب أن تلك المسحة لم تكن مزيفة أو هيئة ذاتية لشخصه قد يتزاهى بها ويختال.. فهو بالفعل خريج أحد الكليات العملية المرموقة التي ينظر الناس للمتخرجين منها نظرة احترام وتهيب وتبجيل.. وكم هي المرات التي أخرج فيها شهادة تخرجه المُغلفة بالبلاستيك اللين الشفاف لأحد الزبائن المشدوهين بين الشك واليقين ـ وما أكثرهم ـ ؛ ليُثبت له زعمه الذي ألقاه عليه في حوار عادي يقوم أحياناً بين السائق وزبائنه المُبالين.. كانت نبرته وهو يُصرح بمؤهله فيها من الحزن والحسرة والخُذلان.. غير أنه سُرعان ما تجده ينسى ويندمج في القيادة..
وعندما يقود تلك السيارة المستطيلة تشعر أنه لا يقود سيارة أجرة شعبية، بل يقود طائرة فارهة، لربانها مِزاج خاص.. حيث كان لديه نظام سماعات فريد في أجزاء السيارة.. كان النظام يبدأ من قُمرة القيادة.. حيث يقبع جهاز التسجيل النظيف قريب من عجلة القيادة، وأسفله تتراص الشرائط فوق بعضها بعض بترتيب مكتبي أنيق.. يضع أحد الشرائط في فوهة التسجيل، ويدفعه برفق للداخل حتى يصل للحد اللازم للتشبث والتمازج والتركب الكامل، فيدور الشريط البني الذي يُعانق ويمر بالمكعب المعدني الصغير الذي يكون المُترجم عن مادة الشريط.. ومن خلال السماعات قد يحسب الرُكاب في المُقدمة أنها ستنطلق بصوت أحد الشعبيين اللذين يبحون بصوتهم الصاخب الأشبه بالنائحة، أو الشبيه بإمرأة صفيقة في حي شعبي تصدح بكلامها الدارج المشوب بالسِباب في هيام غير مدروس.. لم يكن هذا الصوت المُتكرر ولا موسيقته الصاخبة.. وليست موسيقة ولا صوت أحد المُغنيين الشباب لجمهور الجامعات والباطلين.. بل انطلقت من السماعات نغمات موسيقية رقيقة مدروسة مجردة من صوت بشري، على أعلى جودة من العزف الراقي.. وتسبح في جو السيارة فتأسر قائد السيارة، ثم تسري النغمات الناعمة في أوصال الرُكاب.. وتجعل كل الأعصاب المشدودة تلين رويداً رويداً.. وتجعل الوجوه المُتلبدة بالغيوم تسطع بالنور والهدوء فتُبدد الغيوم وتتلاشى.. وتجري الدماء صافية في مجاريها رائقة تتفرع في أنحاء الجسد فتملئه بهجةً ورشاقة، كأنها تتخلص من أثقالها، ورواسبها، وتمنحها القُدرة على التحليق من فرط موافقة الألحان لحاسة الوجدان.. كانت موسيقا كلاسيكية بديعة تتناقض تماماً مع جو السيارة وهدفها وبيئتها ورُكابها..
ولعل هذا هو السبب الأول في شهرة "محمد سالم" بين زملائه السائقين بالكلاسيكي.. كان لقبه من قِبل زبائنه ربما يكون من قبيل التهكم والسخرية، إلا أن اللقب كان يُوافق حالة "محمد" النادرة المتفردة، وبرغم أن "محمد" كان يعلم أن تلقيبه من قِبل زملائه تهكماً، واستخفافاً، فلم يكن يُعرهم اهتماماً كثيراً، أو على الأدق كان قليل الاختلاط بهم، ومع ذلك فقد صادف اللقب هوىً في نفسه، ولم يُحاول التملص منه أو الاعتراض، أو التبرؤ منه أمام الرُكاب والزبائن..
وكان هؤلاء الأخيرين يندهشون دائماً في بداية ركوبهم معه، وسُرعان ما تتبدد دهشتهم عندما يجدون سر اللقب ينكشف لهم ويتبدى أثناء الوُلوج في الطريق.. عندما تنطلق الموسيقا العذبة الهادئة، المُثيرة للوجدان، الساقية للذوق العالي، تصدح في كابينة القيادة، وتسبح بين أذان الزبائن، الذين يشعرون أنهم ليسوا في وسيلة نقل بسيطة عادية مكروهة، بل في حافلة سياحية صغيرة مُجهزة بأحلى أدوات الترفيه.. فتجد منهم الهائم.. والمُسترخي.. والذي لم يحتمل حلاوة الأنغام وهدوئها ففقد وعيه ونام.. وما أن تصل الحافلة لمحطتها يضطر أحد الرُكاب مُتطوعاً لإيقاظ هذا النائم الغافي، الذي يقوم في البدء حائراً، ولا يلبث إلا أن تدب في جسده نوبة نشاط ورشاقة، فيهبط وكأنه يهبط من الجنة، بعد أن أخذ قسطاً من جرعتها الندية، فمنحته حبوراً وانشراحاً..
اشتهر الكلاسيكي دُوناً عن كل سائقين الحافلات الشعبية المستطيلة بين الناس والذين تُعد وسيلة تنقلهم الوحيدة هي تلك الحافلات الصغيرة؛ نظراً لرخص ثمنها، ولم يشتهر الكلاسيكي بينهم لأنه صاحب وسيلة نقل رخيصة..
كان من الطبيعي والمُعتاد أن تجد رُكاب هذه السيارات الذين ركبوا مع سائق أحد تلك المركبات مرة من المرات المتكررة بالضرورة، إذا شاهدوه مرة أُخرى في الموقف يهربون منه في مركبة أُخرى آملين في كل مرة مُعاملة أفضل من سائق محترم.. وقَل ما كانوا ينجحون في مسعاهم، وكثيراً ما خاب أملهم.. ولم يكن للمُعاملة في هذا المضمار أن تختلف.. إلا مع الكلاسيكي..
كان دائماً يأتي باكراً في موعده الذي ضربه له الرجل العجوز الطيب "عم صفوان" صاحب السيارة ليُوافيه عندها قُرب منزل الأخير، ذاك الذي يدعوا له بجزيل الخير والتوفيق، ولا تلبث السيارة أن تنطلق في سبيلها، ويرمقها صاحبها من بعيد بعين واثقة شامخة..
ينتظر الكلاسيكي في الموقف فلا يكاد تمر خمس دقائق حتى تمتلئ سيارته عن آخرها مُستوفية مقاعدها.. يسترخي الرُكاب في مقاعدهم، ويُهيئون أنفسهم، وكأنهم يتأهبون للإقلاع بطائرة سياحية بين السحاب، أو يتأهبون لمُشاهدة فيلم خيالي مليء بالمتعة والجموح.. منهم الذي يسترخي، ويميل بجانبه على صديقه أو على أحد الرُكاب الجُدد يٌسر له بأن يُجهز نفسه لرحلة استجمامية غير مسبوقة..
وكان الرُكوب معه أحياناً ضرباً من المسابقات التي يفوز فيها ثُلة من الناس، ويخسر منهم آخرين.. فعندما يكتمل العدد المُقرر للسيارة قد يأتي أحد الرُكاب السابقين متأخراً دقيقة مثلاً، يجد أن السيارة قد أغلقت بابها، وتجهزت للسير، تنتابه الحسرة والندم على تلك الدقيقة الضائعة التي ألغت متعته واستجمامه الذي ينتظره ليوم كامل.. ويشعر بالأسف الشديد لأنه لم يُلاحق السبق لمقعد شاغر..
وفي السيارة تلين الوجوه رويداً رويداً، وهي تسير على سفح الطريق بهدوء وانضباط حتى ليشعر الراكب أنه يركب مع متخصص في القيادة يقود سيارة موظفين مرموقين..
تلين الوجوه وهي تستمع لأحلى المعزوفات الموسيقية الساحرة، التي تخلب وجدانهم، وتمنحهم مِزاجاً رائقاً لمُتابعة أشغالهم بجد وهِمة ونشاط وإبداع، ووجه منشرح لين..
عدا الرجال المُلتحيين التي تأبى وجوههم أن تلين، وتبقى على تصلبها حتى ينزل أصحابها مُكدرين في المحطة، ونادراً ما تستقلهم السيارة مرة أُخرى.. وعلى كل حال.. كانوا أقل تكدراً وتزمتاً مع سيارة الكلاسيكي؛ لأن ما يزعمونه من أن ضرراً أقل من ضرر، وشبهة أقل من حُرمة..
***
تبدأ مسيرة اليوم بالنسبة للكلاسيكي عندما تسطع الشمس وتبث أشاعتها السحرية بين السماء والأرض، فتتلون السماء بفعل الأشعة ألواناً شجية باهرة.. تتمازج مع بعضها فتصنع لوحة ربانية مُذهلة حتى لو رأتها العين كل يوم.. كذلك تصنع عين الكلاسيكي عند استواء خط الشمس الأول بين السماء والأرض في الأُفق.. تنبهر، وفي الحقيقة نفسه هي التي تهتز لهذا المنظر الخلاب، وود لو استطاع أن يكون رساماً لينقل هذه اللوحة الحية، وحتى لو فعل فلن تُضارع تلك الحقيقة البليغة والبديعة.. كانت هذه أفكاره وخواطره التي عادةً ما تراوده عند الغسق..
تبدأ مسيرة اليوم مع انبلاج أول فلقات الصُبح.. عند أول موكب للموظفين وأصحاب الأعمال.. كل يوم جديد يُصبح أملاً وحُلماً قريب الولوج لعالم الواقع..
مع كل فوج من الرُكاب كان حُلم الكلاسيكي يتضاعف في أن يكفي نفسه ويُسدد واجبه نحو والدته وأخته وأخيه… كان هو الأكبر بين إخوته.. وعندما يتوفى الأب يتولى أول رجل في الأُسرة القيادة والمسؤولية تلقائياً.. كان عليه أن يؤجل طموحاته في مجال دراسته بعد التخرج من الكلية.. إن والدته سيدة مُسنة، ولن يسمح أبداً أن تخرج لمباشرة أي عمل لا يليق بها من أجل أن يُحقق طموحاته ببالٍ رائق.. قد تُراوده نزعة الأنانية، ولكنه لم يكن ليدع لها مجالاً للتنامي داخله.. إنه يملك فِطرة أصيلة، يملك ذلك النُبل الذي يُلازم المتفوقين.. وكيف كان بإمكانه الوصول لإحدى كليات القمة بتقدير ممتاز، لو لم يكن يملك هذا النُبل الدفاق..
إنه الأكبر.. وهو يُحب إخوته.. أخته الأصغر منه بعام ونصف.. "منى"، إنها صديقته.. لن ينسى أبداً أن لديها حلم طالما حدثته عنه.. كم تأمل عينيها الحالمتين وهي تتحدث عنه.. إنه يعشق تلك العينين.. لن يتثنى لها حمل هذا الحلم إلى الخارج إلا بحصر كل جهدها وتركيزه في سنتها الأخيرة من الجامعة.. حتى عندما تتلهى قليلاً، وتنسى جهد أخيها من أجلها.. لا تلبث أن تتراجع وتنزوي وحدها تبكي بغزارة نادمةً لنفسها لائمة.. وتشهق بجملة واحدة محمومة:
ــ كيف تثنى لي إنكار هذا الصنيع النبيل الذي يمنحه لي هذا الشقيق الجليل بسهولة.. كم أنا ناكرة للجميل.. كم أنا ناكرة للجميل..
وما تفتئ إلا أن تعود لدراستها بكل هِمة واجتهاد.. وأمام عينيها ترى حلمها يتهيأ للنزول على الأرض..
كان الكلاسيكي يعي من أخته اضطرابها أحياناً.. ويعي أيضاً أنه يُضحي من أجلها.. من أجل حلمها.. إنه يستحق أوبتها للمسار الذي رسمته معه، والذي ينبض أمام عينيها كحلم يقظة، وبين الكلمات التي تُطالعها في كُتب دراستها.. تلك التي كانت تلتهمها التهاماً.. وكانت هي عاقلة وناضجة مثله بما يكفي لأن تفهم أن الجد والاجتهاد والصبر والمُثابرة هُم السبيل إلى الرِفعة والرخاء والرغد.. فكانت تقوم بكل ما عليها من واجب اتجاه نفسها واتجاه أسرتها.. كانت هي الكبيرة التي تُراعي والدتها، وتهتم بالمنزل وباحتياجاته، وتدرس لأخيها الصغير ما يحتاج لتدعيمه فيه.. ولكنها أحياناً كثيرة ما كانت تتململ وتخور قواها أمام هذا المجهود العظيم.. بالأخص المسؤولية المُلقاة على عاتقها اتجاه شقيقها الصغير.. لم يكن كبيراً بما يكفي لأن يهتم بتفصيل واحد خاص بشأنه.. كانت تهتم من أجله بكل صغيرة وكبيرة.. من أول ملابسه غسيلها وخياطتها، بل حتى عندما يلبسها، فكثيراً ما كان يتعثر في ارتدائها.. مروراً بإطعامه وطلباته التي لا تنتهي.. ثم المذاكرة له، والجلوس بجانبه حتى يستوعب الدروس المقررة عليه.. إلى تبلد الفهم، والمراوغة، والشقاوة.. وبالطبع لم يكن ليبقى لها وقت كثير لاستذكار دروسها.. وكانت كل تلك السلبيات ترجع إلى الأخ الأكبر.. الكلاسيكي.. وكان يضطر لتحمل بعض تلك السلبيات بعد مجيئه من عمله الذي يستغرق أغلب ساعات اليوم.. يأتي عند المغرب، مُتعرقاً، على وجهه أثار الاشمئزاز.. يطمأن على والدته سريعاً، وعندما يخرج من عندها يتجه مباشرةً للحمام الذي جهزته له أخته، فيستحم.. ويخرج شخصاً آخر ووجهاً أصيلاً غير الذي دخل به، صافياً متألقاً لامعاً.. فيرتدي سترة نومه الأنيقة، ويُصفف شعره بعناية، وتفوح من جسمه روائح شذية.. وتشعر أنك أمام أحد الأرستقراطيون الأغنياء.. يقف في حجرته التي يُشاركه فيها شقيقه الصغير، وينتصب باتجاه القبلة، ويرفع كفيه لأعلى وهو يقول بخشوع "الله أكبر"..
عندما ينتهي من صلاته، يجلس على المائدة، وفيها ما يُقوت نفسه، ويسد رمقه وجوعه.. وهو يُراقب أخته وأخيه.. ويدعوهما للطعام معه، وأحياناً أحد منهما يستجيب.. فيستأنس به، تشكو أخته له من أخيه، أو يطلب أخيه بعض مطالبه الباهظة والخيالية أحياناً..
عندما ينتهي طعامه، يقوم حامداً الله.. ويجلس في حجرة والدته يحاول الاستئناس بها.. وفي تلك الآونة يأمر أخيه أن يأتيه بمذاكرته.. فيفعل ويظل ساعتين يُذاكر له يتخللهما أداء صلاة العشاء.. وبعدها يحين موعد نوم الفتى الصغير، فيذهب إلى مأواه، في الحجرة..
ويستأذن الكلاسيكي من والدته بعد أن تُباركه، ويدلف إلى حجرته، ويُغلق بابها عليه.. ويجلس على مكتبه القديم، الذي ظل سنيناً يتكدس بالكتب والمراجع والدفاتر والأوراق.. كان متعوداً كل يوم أن يقرأ ويتثقف، وأحياناً يمسك بكتب الجامعة، ويُذاكرها من جديد.. مثلما كان يفعل من زمن على هذا المكتب..
كم كانت حياته عبارة عن هذا المكتب بكتبه المفتوحة وتقلبات صفحاته، وقلمه الذي لم ينم أبداً، كان يظل سائراً شامخاً على الصفحات يترك أثره منقوشاً عليها.. وذاك المصباح العتيق، الذي طالما كان يستضيء به طوال الليل، في السنين الماضية، يشهد على قراءاته وانكفئاته على الكتب والأوراق.. تلك المساحة الصغيرة كانت عالمه الذي حلم عليه، أغلب أحلامه كانت عليه.. ولم تكن على ذاك السرير المهجور في هذه الزاوية البعيدة.. وكم عمل ودرس وقرأ وتعلم وأحب الدراسة على هذا المكتب، والموسيقا الهادئة الكلاسيك الرفيعة لسيمفونيات العازفين العباقرة العالميين، تُذاع من محرك الأقراص المدمجة الحديث..
ذاك الذي ادخر ثمنه من المصروف، الذي كان يمنحه له والده الحبيب كل أسبوع، عندما كان في المرحلة الإعدادية، وقام بشرائه عندما كان في المرحلة الثانوية.. ظل لمدة ثلاث سنوات يحلم باليوم الذي يشتري فيه محرك الاسطوانات المُدمجة، الذي يشغل الموسيقا بأعلى جودة ممكنة.. وعندما تجمع له ثمنه، ذهب لشرائه، وذُهل عندما فوجئ بأن ثمن الجهاز قد رخص وانخفض عن الثمن الذي كان يحسبه للثلثين فقط.. سُر كثيراً لهذا الأمر، وفرح بهدية الله إليه.. ويومها دخل المنزل وفي يديه حقيبتين.. حقيبة فيها حلمه الواقع الذي طالما حلم باقتنائه حتى يستمع للموسيقا التي يعشقها.. والحقيبة الأُخرى كانت عبارة عن حلوى فاخرة كان أفراد أسرته يتنسمون منها ولو قطعة صغيرة، وبالأخص والده، الذي كان كُلما توفر معه فائض من مال أحضرها لأسرته، وهو جزل يُوشك شوقه لها أن يبتلع لسانه مع ريقه من إغرائها.. كان الكلاسيكي يعرف ذلك الفرح الذي ينتاب أبيه والمُتعة واللذة الآسرتين كُلما تذوق منها قطعة.. وكانت هذه السنة وما بعدها جدباء قليلة المال، إذ كان المرض قد بدأ يتسرب إلى والده، وكَل الرجل بجسده وعلته، وقل عمله وعائده.. المهم أن دخلة الكلاسيكي على أسرته بهذه الحلوة الفاخرة قد أسفرت منهم السرور البالغ، وبالأخص أبيه الذي انتعش وأزهر.. كان يوماً جميلاً مرحاً لا يُنسى..
***
تحمل والده الكثير من أجل أن يستر أسرته ويُعلم أولاده كلهم، ويربيهم على الرُقي ودماثة الأخلاق.. علمهم أن بالصبر والإصرار ينولوا كل شيء.. وكم يذكر جلسة والده مع أسرته في بعض ليالي السمر، عندما كان يُضاحكهم ويُداعبهم ويُحادثهم ويتبادلون حديثاً ممتعاً فيه كل أنواع الأُنس والحب والعطف والمشاعر البشوشة.. يذكر هذا الجزء من جلستهم عندما يطلب من كل ولد من أولاده أن يُحدثه عن حلمه وطموحه.. ويكون أمتع وأأنس الحديث وأهنئ السمر لكل واحد من أولاده.. كان يلحظ تلك العينين الأبويتين الهائمتين مع أحد أولاده وهو يطلعه على أحلامه ومطامحه.. تلك العينين التي ورثها منه، وأخذ عنه تلك النظرة الهائمة اللطيفة المُرهفة.. كأنما تود لو تملك القدرة على تحقيق رغبات المُحيطين بها وآمالهم وتطلعاتهم..
كم يذكر كم ناضل والده من أجل أن يُحقق له طموحه الذي طالما حدثه عنه في صغره.. دعمه بالمال وبالوسائل وبالرِفق وبالنُصح.. كان يرى أبيه يشق على نفسه حتى يُوفر له المال اللازم للدراسة في السنة التالية من كليته.. حتى لا يُعرضه للإحساس بدونيته عن زملائه الآخرين.. كان "محمد" يرى ذلك واضحاً أمام عينيه.. كان يُحب والده.. بل يعشقه.. يرى أثار التعب الشديد عليه، ومع ذلك لم يكن أسعد منه عندما يُسلم ابنه المال في أول يوم دراسة من السنة الجديدة في الكلية من أجل أن يشتري كل الكتب المُقررة، وما يلزمه للدراسة فيها.. كان الألم البادي على وجه أبيه وجسده يدفعانه للنجاح والتفوق..
الغريبة أن يموت أبيه بعد أسبوعان من نهاية السنة الأخيرة من كليته.. لقد ظل يدعمه طوال مرحلة الجامعة.. ومات قبل حتى أن يعرف نجاح ابنه، وتقديره الممتاز.. تلك المحصلات تدبر فيها الابن الأكبر كثيراً.. وانتهى لعِدة رسائل قدرية..
لقد كان والده يدعمه ليس من أجل نجاحه فحسب، ولكن هدفه الأسمى أن مرحلة الجامعة كانت بداية الحُلم الذي كان يحلم به ابنه، أراد أن يضع قدم هذا الأخير عليه.. إنما هي نقطة البداية، وبعد ذلك يهون كل شيء.. لقد ركز على بِكره لأنه خليفته من بعده.. لقد دعم الأساس حتى يتحمل الأساس بعد ذلك البرج العالي.. بإمكانه من بعد تلك الخطوة أن يُكمل الخطوات الأُخرى إما عاجلاً أو آجلاً.. غير أن الظروف كانت تتجه بحلمه وبخطواته إلى التأجيل ريثما يُقيم الأساس بعض الأعمدة عليه.. حتى يصعد بطوابقه بعد رسوخها باطمئنان وأمان..
المشكلة أنه لا يُمكن أن يصل للقمة إلا بعد أن يبني طوابق غيره.. ولا بد أن يبنيها جيداً حتى يُمهد لطابقه الخاص الذي يُعد له تصوراً وإبداعاً رفيعا..
يجب أن يُوفي ما عليه من أمانة اتجاه والده رحمه الله.. أن يرعى أشقائه حتى يصل بهم إلى بر الأمان.. وليصل إلى طموحه فيما بعد..
لا يستطيع الكلاسيكي بين الحين والآخر أن يُقاوم تلك الأحاسيس التي تنتابه اتجاه نفسه واتجاه مستقبله.. ذاك الإحساس الذي يطغى عليه ويؤلمه يُحاول الانفجار من صدره.. ولكنه يُسارع إلى كبته بعد أن يرسل إشارات حُلمية مخضبة بالأمل، تُهدئ تلك الطاقة العاتية، وتأخذ منها أجلاً مؤقتا..
لقد فهم ذلك الحب الممزوج بالأُبوة وبالمسؤولية.. تلك العاطفة المشبوبة بالحكمة.. ذلك التفاني من أجل أن تعيش براعم أُخرى.. يا له من تفان.. ويا له من موت.. ويا له من حب.. سبحان الذي بلور تلك العواطف مع الحصافة.. لذلك كله أحب والده، واحترم أبوته.. بل اعتز بها..
كلما أطال التفكير في موت أبيه وتدبره.. يخرج منه كل مرة وكله عزم على مواصلة المسيرة التي خططها له والده ولأشقائه.. إنه يملك ذلك التفاني.. لقد ورثه منه.. لم يتعسر عليه أن يستعيره، أو يفتعله.. لم يجد مضرة في أن تضيع فترة من حياته من أجل أن يُحيي حياة عِدة أحياء.. إنه لثمن بخس مُقابل أن يحيي عدة كيانات إنسانية بدل أن يحيي حياةً واحدة فقط.. ما زال شاباً.. يملك من الطاقة الوفير.. غير أنه يخشى أحياناً أن تخفت تلك الطاقة في صدره، أن تُذوى وتموت مع الأيام، وتلو السنوات..
تلك أمانيه ومخاوفه.. بين اتزانٍ ورُجحان..
كُلما نظر إلى هذا المكتب الذي شهد على وفير علمه، ورِفعة وسيلته، ومحطة حلمه الأُولى انتشى قليلاً واشتاق، وتجيش نفسه كثيراً وتلتاع.. وتصطرع نفسه بالرغبات والمسؤوليات..
كان يشكر الله عز وجل أن موت أبيه وغيابه عنهم أتى في الوقت المناسب، وإلا كان قد حُرم الجامعة، وساء طريقه.. أو ساءت معيشة الأسرة برمتها.. ذلك كان عزاءه الذي طالما أثلج صدره وأراحه..
عندما وجد أن الأسرة تحتاج لرب أسرة جديد بعد انتهاء أجل الأول.. تقدم يخلفه.. وطريق حلمه وطموحه لم يكن قد استوى بعد أو تمهد.. تلك عادةً ما تكون طريق طويلة يخوضها المُبدعين حتى يُصبحوا قمة وعباقرة يُشهد لهم بالإبداع..
ولعل أبيه فهم ذلك.. ولعل هذا السبب الغير مُعلن عنه، الذي جعل والده يصطحبه معه في سيارة الأُجرة المستطيلة ليومين بعد انتهائه من الاختبارات النهائية في الجامعة..
وفي اليوم الثالث تحدث والده معه، وطلب منه أن يتعلم القيادة، وأن يحصل على بطاقة تصريح أو ترخيص بالقيادة.. استغرب الفتى طلب أبيه، فلم يكن لها لزوم.. حيث أنهم لا يملكون مالاً كافياً ليملكوا سيارة خاصة بهم.. كما أنه سيعتمد على نفسه في المواصلات التي تُعينه على أداء مشاويره.. وحسب تخطيطه أنه سيكمل تعليمه، وسيُحضر ( الماجستير )، ثم بعدها ( الدكتوراه ).. كان هذا تصوره.. غير أن الأقدار أرادت له أمراً آخر.. تشاور مع والده بخصوص طلبه، وأبدى اندهاشه واعتراضه.. غير أن إلحاح والده عليه، الذي حز في نفسه جعله يرضخ له..
وذهب بالفعل وتدرب على القيادة.. ولم يتثنى لوالده أن يرى رخصته أيضاً.. إذ وافته المنية قبل الحصول عليها..
والحق أن الكلاسيكي بعد موت والده احتار كثيراً.. هل يُكمل ما بدأه لاحتياز الرخصة بناءاً على طلب أبيه.. أم يتوقف عن اتخاذ إجراءاتها.. ويُكمل مشواره إلى طموحه… ولكنه سرعان ما انتبه وفطن لتدبير الأقدار.. إنه المُكلف بأسرته الآن بحكم بِكريته لأشقائه.. إن أول مَن رأوه والده ووالدته.. وُولد أشقائه فكان أول مَن رأوه.. إنه الرباط الذي يربط الطرفين الآن.. يجب أن يعقد طرفي تلك الرابطة حتى تحيا به.. بدون تلك العُقدة سينفرطوا وينفلتوا..
لا يُمكن أن يسمح بذلك.. لا بد أن يكون لهم راعي.. رب أسرة يُصرف شؤونها.. يُربيهم ويصرف عليهم.. من أين ؟!.. وكيف ؟!..
تلك هي الأسئلة المطلوب طرحها.. وتحتاج لإجابة..
إنه لا يُجيد أي مهنة سريعة الكسب.. إن أقرب المهن إليه هي مهنة أبيه.. سائق أجرة.. ليس سواها التي درج على قصص أبيه عن مصاعبها ومواقفها وحالتها وأحوالها وشؤونها وأوضاعها.. إنها المهنة الوحيدة التي سمع عنها بغض النظر عن مهنة دراسته في الجامعة.. مجال الدراسة الذي طالما حلم بالعمل في ميدانها.. والمهنة الأقرب إلى قلبه يلزم للعمل فيها عِدة سنوات كِثار.. لا بد من دراسة "ماجستير"، وتحضير "دكتوراة".. يلزمها خبرة.. وأين هو المكان الذي سيقبله وليس لديه خبرة، بل أي مُرتب حقير سيقبضه إذا قبلته مؤسسة ما قبلته على ما هو عليه من افتقاد للخبرة، وحداثة عهده بالتطبيق العملي.. لن يستطيع أن تحتمل أسرته هذا الضيق أمام ما تحتاجه من متطلبات ماسة.. فضلاً عن عدم احتماله هو نفسه.. كيف سيُمكنه العمل والدراسة والتزود بالخبرة أمام ضنك العيش الذي يُخيم على أفراد أسرته.. بل إنه نفسه سيحتاج للمرتب ليصرف به على تنقلاته بين العمل والمنزل، سيحتاج لأن يصرف على الكتب التي لا بد منها للماجستير والدكتوراه والخبرة.. أين التركيز في كل ذلك.. وأين المال المُعين على جميع ذلك..
إن المهنة القريبة إلى عقله وخبرته.. هي القيادة.. أن يكون سائق أجرة مثل أبيه.. مؤقتاً.. وليس للأبد..
وفهم الحكمة من طلب أبيه لاستخراج الرخصة.. وعلى ذلك كان عليه أن يُتابع استخراجها.. وبالفعل نجح في امتحان المرور بجدارة، واستلم رخصة القيادة..
ودخل "الكار" الجديد.. ولم يكن يدري عنه الكثير.. فقط ما سمعه عن أبيه بين الحين والحين بعض المصاعب والمواقف والتجارب والقصص التي كان يمر بها يقصها على والدته.. فتنال أذنه بعض صدى الحديث.. وكان يُفكر كثيراً عن أن والده انتحى مساراً يختلف قطعياً عن مسار أولاده.. وأنه مهما حدث فلن يتوازى المساران أبداً.. ولم يُفكر يوماً أن الحال ستؤول إلى ما هي عليه الآن.. إلى ما اضطرته الظروف الزمنية والمكانية والعرضية إليه.. والتقى المساران عند نفس النقطة.. سائق أجرة ؟!..
ساعتها عرف أن الرياح دائماً تجري وتهب بما لا تشتهي ولا تُحب السفن.. وهو كالسفينة بلا منارة ولا مرساة في عرض البحر، ليس أمامه غير علامات النجوم.. والرياح هي الدنيا وما يختفي فيها من قضاء وقدر تنفرج كل حين بقدرٍ ومقدور بأمر ربها..
يبقى السؤال المتوالد الذي ألح عليه كثيراً، وأقض مضجعه، وجفته كل سبل الراحة، وأعياه البحث له عن إجابة..
أيمكنه أن يتنازل ؟.. أن يهبط من مستواه العالي ؟!.. أن ينخفض لتلك الفئة المُتدنية ؟!!.. أن يتعامل مع حُثالة الناس بعد أن كان يتعامل مع علية المجتمع، والنخبة.. بعد أن كان يتكلم بلباقة وهدوء وموضوعية.. يتحدث كالغوغاء والسوقيين والدُهماء بما سيفرضه عليه العمل في الشارع..
أي انحدار يغشاه بعد ذلك ؟!.. أي انفصام في الشخصية بعد ذلك ؟!.. أي انكسار لأحلامه بعد ذلك ؟!.. بل أي مستقبل وأي طموح سيرنوا إليه بعد ذلك ؟!.. أي عُمرٍ سيضيعه في هذه البيئة المقيتة المزرية ؟..
إن حدد لنفسه مُهلة تقوم أسرته بعد أن يجهد نفسه ليكفيها من الرعاية.. بعد أن يُجهد نفسه في هذا الجو الذي لا يُلائم أحلامه ومطامحه، وتتأثر شخصيته حتماً ببيئة عوام الناس، وبيئة نازعة للجهل، وضيقة الأُفق، وفظة المعاملة، وغليظة الطباع، ولكنتها وقحة، وألفاظها خارجة وبذيئة، تلك هي البيئة التي تفرض نفسها على الخائضين فيها، إنهم لا يُدركون حتى أنهم يتحولون لفئة الغوغاء والسفهاء..
كيف سيعود لشخصيته الأُولى ؟، كيف سيُدرك أن شخصيته تبدلت ؟.. كيف سيستعيد شخصية الجامعي، الذي لديه كل أسباب الوصول لفئة النُخبة ؟.. عدا المال.. هل عندما يملك المال سيعود ببساطة لمكانته العلمية، ويُكمل تخطيط أحلامه العالية ؟..
تباً لهذا المال الذي يُفرق بين مطامح الإنسان ونفسه.. تباً له إذا فرق بين خلافة الإنسان على الأرض وبين معيشته ومطالبه.. تباً له عندما يفرض حياةً أُخرى غير تلك المحبوبة التي يتطلع إليها الإنسان.. إن أهون عليه أن يتقاعس عن المسؤولية المُلقاة على عاتقه ناحية أسرته، ولا يترك نفسه لهذا الانحدار المقيت إلى نفسه..
اجتاحته هذه الأفكار، ومثلها معها..
برغم أن والده كان من أحسن السائقين، والذي اعتبره الكلاسيكي السائق الذي خرق القاعدة العامة لسائقين الأجرة إلا أنه ظل سائق أُجرة.. إنه بالمقارنة بالآخرين كالطبيب بالنسبة للممرض أو كالمهندس بالنسبة لعامل البناء.. أو كالعالم بالنسبة لبائع الخضار.. كان والده مُختلفاً في أسلوبه، وفي هندامه، وفي قيادته، وفي كلامه، وفي معاملته.. وتقريباً لم يكن أحد يسمع صوته كثيراً.. ولكنه ظل سائق أُجرة حتى مات..
كانت لديه بالتأكيد مطامح وآمال في نفسه، ولكنه لم يُحققها.. ما زال يذكر نظرته إليهم وهُم صغار، وكيف كان يسمع لآمالهم وخططهم المستقبلية لأنفسهم.. كان يُلاحظ هذا البريق العجيب يلمع من عينيه.. ولم يخبوا يوماً.. حتى عندما ألح عليه في عمل الرخصة، لم يخبوا هذا البريق عندما رمقه.. إذا كان والده قد أحس بقُرب أجله، وأن المسؤولية ستُلقى على أكبر أبنائه من بعده، وأن عليه أن يسلك مسلك قيادة سيارات الأُجرة، فأي حلمٍ قد يحلمه الأب لولده، ويبرق في عينيه بعد ذلك ؟.. ولماذا تركه يتعلم كل هذا التعليم، من أجل أن يُتابع مسيرة مهنة أبيه الروتينية التي تشبه حلقة دائرية لا يُعرف أولها من آخرها ؟..
وعند تلك الأفكار المُتواردة المُحيرة.. انفتحت أمام عقله كوة تفاؤل، وتكشفت لديه حكمة لا بأس بها.. ما الذي يضيره إذا وضع خطة مستنيرة يعتمد عليها تُهون عليه ألم الانخلاع من جلده الحقيقي، وتُبقي على سجاياه الأصلية محفوظة من كل عوامل البيئة الفاسدة.. إن المدة التي تكفيه للعمل في هذا المجال والاستفادة منه مادياً سيستغرق منه بضع سنين.. إن كان ولا بد من ضياع جزء من العُمر في الشقاء والتعب في الدنيا، يأخذ كل إنسان في الدنيا نصيبه منه بالضرورة، فلا مناص من تجرعه، كأنه دواءٌ مضادٌ حيوي مُر يلزم المريض مُعاقرته لفترة معينة موقوتة حتى يبرئ من داءه وسقمه واعتلاله، ولا يُعاوده المرض مرة أخرى..
وبذلك بدأت خطته تتكون لديه، وتتبلور.. حتى أنه كتبها على صفحة ورقة من القطع الصغيرة، واحتفظ بها في محفظته، يُخرجها صباح كل يومٍ جديد، ينظر فيها ويُراجعها..
لقد كانت سيرة أبيه خير معين على تطوير تلك الخطة الاستراتيجية.. لن يدع تلك البيئة تُسيطر عليه، أو تصبغه بألوانها المُغبرة والفجة.. لن يُعطي لأحد الفرصة كي يوصمه بوصمة سائقي الأجرة الممجوجين، المُستهترين، والغِلاظ، الفظين.. سيكون هو أيضاً.. مثل أبيه.. الذي خرق قاعدة السائقين.. النسخة المطورة.. التي تُناسب مؤهله، وطموحاته، واتسامه بالكلاسيكية..
***
لقد بحث عن الراعي الذي كان يتولى والده.. العم أو "الحاج صفوان".. ذاك الذي كان يسمع والده يتحدث عنه دائماً بالخير.. وتحدث معه عن أنه يريد أن يُمسك زمام سيارته، ويخلف والده في قيادتها.. وتردد الرجل.. كيف يُمكن لهذا الفتى ربيب الجامعات والتعليم العالي أن يتبوأ مقعداً دَنياً بين سائقي الأجرة المتواضعين.. كيف يُمكنه أن يكون مسئولاً عن سيارة باهظة الثمن مثل التي يملكها..
ولم يكن من الفتى إلا أن شرح له الظروف التي وضعته في تلك المسئولية، وأبرز له الرخصة التي استلمها من قريب.. ولم يكن الرجل ليردخ سريعاً، ولكنه راعى ظروفه وراعى سيرة أبيه، ورضي أن يستمر لمدة كافية من الوقت تابعاً لسائق من السائقين في إحدى سياراته الأجرة؛ حتى يتعلم ويزداد خبرة.. فلا بد من التدريب والمتابعة الجيدة، حتى يكتسب خبرة كافية؛ لتؤهله لقيادة مركبة تحتوي على أرواح بشر.. وأفهمه أن قيادة أي سيارة على سفح الطريق تحتاج من قائدها خبرته وانضباطه وأمانته واحتماله مسئولية ركابها أكثر من مجرد قيادتها وحسب..
تعلم من الرجل.. وتعلم وفهم وتابع أحد عُمال الرجل العجوز السائقين المحترمين، وهُم للعلم يُعدون على أصابع اليد الواحدة..
ولم تمضي فترة كبيرة، حتى أتقن كل شيء.. وحتى بعد أن اعتمد على نفسه واستقل، كُلما حدثت مشكلة بالسيارة أو تطلبت أمراً، استطاع عقله أن يتخذ إجراءاً حكيماً في وقت قياسي، واستطاع أن يتصرف بسرعة، كأنه سائق محترف قضى في مهنته عقداً كاملاً.. مما حدا بالرجل الطيب مالك السيارات أن يُمكنه على أفضل سياراته..
ولم يكن من مناص أن يصطدم بأعتى عُتاة السائقين المتجبرين.. وحاولوا أن يستفزوه من مهنتهم، وأن يبعدوه عن (كارهم)، كانوا يستنكرون أن يحوز هذا الشاب المتعلم تلك المميزات.. أن يتميز عليهم بأحسن السيارات، وهو جديد في المهنة، وربيب جامعات، الذي لم تخشن يديه، ولم تتعود على القبض عل عجلة القيادة.. لم تتعود إلا على إمساك القلم بأطراف أصابعه.. وتولد كُره لديهم له، وكم حاكوا له من المؤامرات والمكائد الهمجية، وما كان هو ليخوض في غيهم، ولا ليخضع.. بل بنى لنفسه شخصية عتيدة محترمة.. كان أسلوبه الراقي يُبهر من أمامه ويُعجز إرادتهم على الاستمرار في المكيدة.. لم يتعودوا شخصاً يُقابل سيئتهم بإحسان، ولم يتعودوا شخصاً يُواجه همجيتهم بوقار، ويستقبل عنتهم واستكبارهم برِفعة وإكبار.. حتى لكان منهم من يخجل ويخفر من نفسه ومن أسلوبه الوقح وتصرفه المشين أمام هذا الرُقي والنُبل والاحترام المُتجسد في الكلاسيكي.. برغم أن الأخير كان يمقت تلكم الثُلة الغاشمة، إلا أنه كان يُدرك كيف يُخمد تلك الكراهية أمامهم، ويستبدل بها حكمةً ووقارا، وتوددا.. كان يُحافظ على أن لا يُشعر أحد منهم أنه مُتعالي أو يترفع عن الاحتكاك بهم.. ولكنه كان إذا اضطر لمعاملتهم ظهر منه الود والانسجام والأُلفة.. وكانوا بتلك السجايا يبتهجون ويأنسون وتزيد في قلوبهم محبته وإعزازه، ويشعرون بالتميز أن لهم علاقة وصِلة بهذه الشخصية الفريدة، بل ويتفاخرون بها أحياناً..
ولقد كان أمره يُحيرهم.. عندما يكون قريباً منهم، كأنه شِبه مثلهم، ويتودد إليهم، ويبش في وجوههم، ويتجاذب معهم أطراف الحديث، القصير عادةً لحدٍ ما.. وإذا بعد عنهم يشعرون أنه ليس ذاك الذي كان يُلاطفهم منذ لحظات.. وكأنه شخص آخر.. ولكنهم ما كانوا يملكون غير أن يُقدمون له الاحترام والمحبة والتقدير.. ربما جعلتهم مُعاملته لهم يميلون إليه؛ لأنهم يفتقدون تلك المعاملة النظيفة بينهم، يفتقدون أن يُعاملهم أحد بذوق وأدب ونُبل.. وما كان لأحدٍ أن يحترمهم إلا في حالة واحدة، ألا وهي أن يُجبرونه بالقوة.. ولا عجب أن منطقهم الأقرب إليهم هو القوة، الذي يفهمونه ويستسهلونه.. وفي تلك الحالة لا يكون احتراماً بشكل دقيق، إن هو إلا قناعاً يُظهر الاحترام، ويُخفي ورائه الخوف والجُبن والكُره..
استطاع الكلاسيكي أن يكسب جميع من حوله.. واستطاع في ذات الوقت أن يحتفظ بجوه الخاص.. الجو الذي أشاعه في عمله، وأشرك الجميع فيه.. جو لم يتعود لا السائقين ولا الرُكاب عليه.. جو ينتشر بين مرموقي المجتمع، وخاصته..
والعجيب أن هذا الجو قد راق الجميع.. وكم كانت دهشة الكلاسيكي عندما وجد ذلك الاستحسان.. لقد كان في البداية عازماً ألا يهتم لأحد في ذائقته السماعية.. لقد كان زملائه السائقين كل منهم يسمع ما يروق لهم.. وأغلبها كانت متدنية فنياً وذوقياً.. وأياً كان فقد كانوا يفرضون ذائقتهم على الرُكاب، مهما كان استياء هؤلاء الأخيرين.. ولقد فعل الكلاسيكي مثلما فعلوا.. لم يُعر للرُكاب اهتماماً من تلك الناحية.. كل ما كان يفعله أنه يُدير موسيقته بمستوى من الصوت يصل إلى رُكاب المقاعد الأُولى، ثم الثانية، وبالكاد الثالثة.. ظل هكذا يحترم لحدٍ ما ـ بما يُحتم عليه تهذيبه وأخلاقه ـ غالبية الرُكاب، حتى حصل مرة أن طلب منه أحد رُكاب مقاعد الصف الثالث أن يرفع من صوت الموسيقى.. ولم يهتم كثيراً لتلك الحادثة.. حتى تكرر ذلك الطلب للمرة الثانية من مقاعد الصف الرابع.. ومرة ثالثة.. ورابعة.. وخامسة… حتى شعر أن رُكاب بعينهم يتكرر ركوبهم، ويختارون سيارته بالذات.. ولم تمضي فترة طويلة حتى اقتنع أن الناس أحبت موسيقته..
وكانت هي من ضمنهم !!..
لم يكن في البدء ينتبه لها.. ورويداً رويداً بدأ يُلاحظ أنها الوحيدة التي تُداوم على الحضور في الموعد الذي يُوافق موعد افتتاحية تحميله للرُكاب.. تصعد مُلقية السلام، بقمة الأدب والوقار بذاك الحجاب، الذي برغم بساطته يبدوا مُحكماً في شروطه الشرعية، ويُغطي صدر زيها الأنيق الفضفاض.. ذات وجه هادئ الملامح، يبدوا كأنها طالبة تذهب إلى جامعتها.. يظهر ذلك من المحطة التي تنزل فيها، قُرب الجامعة، وبذلك الملف الأنيق الذي يحتوي على كتب ودفاتر وأقلام.. كانت تجلس في مقعد الصف الثاني القريب من النافذة.. وورائه مباشرةً.. كانت تظل ساكنة طوال الرحلة، تُنصت للموسيقى في هدوء، مُطرقة برأسها، وكأن العازف بين يديها، لا تملك أن ترفع إليه عينيها، ولا يُمكنها غير الانسجام مع موسيقته، واستراق النظر كل فترة ترقبه من خلال المرآة الداخلية أو من خلال المرآة الخارجية لتكشف وقع نغمة أثرت بها على وجهه.. لترى كيف شعر بها، وما تأثيرها على وجدانه من خلال ملامحه.. كان أحياناً ينتبه على غير مقصد منه أن عينيه التقت مع عينيها مُباشرةً، وفي سرعة تتراجع عينيها لترتبك قليلاً ثم تُخفضهما ناحية الأرض في خفرٍ واحتشام.. وما يلبث أن يندهش لهذا الفِعل الخفي..
تكررت المرات التي انتبه لها وهي تسمع موسيقته، ثم تسترق النظر للحظة إليه، ثم تعود عينيها إلى أدراجها.. وبدا أنه قد استهواه اهتمامها، وشعر كأنه عازف يعزف لها، وهي بين يديه ترمقه من حين لآخر مُعجبة ببعض مقطوعاته..
وفي أحد الأيام.. وجدها قد أخرجت كتاباً صغيراً، وبدأت في قراءته بخشوع عجيب، وعندما دقق في ماهية الكتاب، تبين له أنه القرآن الكريم.. وبدون تردد، امتدت أصابعه تُغلق مذياع الموسيقا.. وأكمل طريقه، وهو يرمقها كل هنيهة من خلال المرآة، واستغرب أنها لم تُبدي أي بادرة اتجاه فِعله، بل ظل وجهها مُنكفئاً على السطور المُقدسة، تُتابعها بتركيز بالغ.. إلا حين أرادت سيارة أجرة أن تقطع عليه الطريق بشكل مُستفز، فهتف في حنق يُهدئ من نفسه قائلاً في تلقائية:
ــ لا إلاه إلا الله، محمد رسول الله..
ولم يلحظ شبح الابتسامة على ثغر الفتاة، ثم عادت لكتابها كما كانت، وما أن بلغت الرحلة محطتها، نزلت بكل بساطة بعد أن أغلقت المصحف، وحفظته في حقيبتها..
وظل يُفكر في أمرها طوال اليوم، بل ولم ينم بسهولة أيضاً.. لقد كانت بينهما علاقة من الصمت الوطيد المُتفاهم.. لقد كان بينهم تناغم يتمازج مع تلك الموسيقى التي يُذيعها وتستمع إليها دائماً.. ما الذي حصل اليوم ؟..
إنه لا يستنكر فِعلها، إنه نفسه يقرأ في المصحف قليلاً بعد أداءه لصلاة الفجر، قبل خروجه للعمل، ولكنه يستغرب موقفها الغير مُعتاد هذه المرة..
لقد أعجبه فِعلها، ولكنه يستغربه، ويشعر أنه غير منطقي.. تُرى لماذا تصرفت على غير اعتيادها.. إن كانت تريد أن تقرأ القرآن، فليست السيارة مكاناً مناسباً للقراءة، خاصةً وهي تستمع للموسيقى.. إنها غريبة.. ولكنها مثيرة للحيرة.. إنها تبدوا ناضجة ومُنضبطة، وتبدوا ذات وجدان رائق، ونفس مُرهفة..
هناك صِلة تربطه بها يستشعرها كلما نظر إليها، أو فكر فيها.. لا يُمكن أن تفوت عنه هذه النظرة الشجية، والوجه المتأثر عندما تسمع الموسيقى.. لم يرى ذلك التفاعل الوجداني الذي يستشفه من علامات وجهها، إلا عندما يرى وجهه في المرآة على غفلة منه عندما يكون مُندمجاً مع نغمات وألحان الموسيقى.. بالتأكيد الموسيقى تلمس أوتار وجدانها مثلما تفعل به بنفس الدقة والحس الفني.. وختم أفكاره قبل أن ينام بهذا الرجاء: ليتني أحظى بتلك الفتاة زوجةً لي تتفهم جوي وأحاسيسي وطموحاتي الواسعة الآفاق…
وفي اليوم التالي.. كان جالساً في سيارته كعادته، ريثما تمتلئ السيارة بالعدد المطلوب، ترك باب السيارة مفتوحاً على مصراعيه كالعادة.. وبينما هو ينتظر، إذا لفت نظره اقترابها ناحية السيارة، فاعتدل في جلسته، وأهمه الأمر، وبينما هو في ارتباكه وأفكاره، سمعها تُلقي السلام كعادتها قبل الصعود، رد عليه في خفوت، ثم استقلها مقعدها المُعتاد في السيارة، وورائها مباشرةً صعدت سيدة ومعها ابنها، أجلسته على المقعد المجاور لها، وطلبت منها في رجاء، أن تُبقي نظرها على ابنها حتى تقوم بمكالمة سريعة في "السنترال" المُقابل للمحطة، فأومأت الفتاة لها، وابتسمت لها ابتسامة وقورة تقول لها أن اطمئني..
وظل هو يُراقب الموقف، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، كان يود لو يستطيع أن يبدأ بكلمة مناسبة تؤهله للتعرف عليها.. وبينما هو في ارتباكه العميق.. كانت تُلاعب الطفل من ورائه، عندما سكتت برهة، وأعقبتها بجملة فاجأته، بصوتٍ خفيض خجول:
ــ أشكرك كثيراً لإطفائك مذياع الموسيقى بينما كنت أقرأ في المصحف..
ارتبك قليلاً، ثم نظر في المرآة التي تعكس مكانها، فوجدها قد قالت الجملة وهي تنظر للطفل في حياء.. تلعثم، ولم يدري ما يقول، ثم استعار جرأته التي اكتسبها من التعامل مع الناس، وقال:
ــ لا شكر على واجب يا سيدتي.. لا شيء يعلو فوق كتاب الله..
ابتسمت في إعجاب، ثم سمعته يستطرد في حيرة:
ــ ولكني كنت مندهش قليلاً من تصرفك أمس..
شملهما سكون، استثقله، وود لو لم يُبدي دهشته بجملته الأخيرة، ولكنه سمعها تُردف:
ــ إنها حاجة في نفس يعقوب قضاها..
لم يكن ردها إلا ليزيد حيرته فوق حيرته في موقف الأمس.. ما دامت قالت تلك الجملة، فهي لا تبغي أن تُفصح عن سر الموقف، أو أنها استحت للكلام معه بينما كان بإمكانها الإفصاح، أو أنه أمرٌ لا يعنيه.. فلا داعي للتمادي بشأنه، ووجد نفسه يتراجع، ويقول بصوت مُنكسر:
ــ مُتأسف..
ــ لماذا تتأسف ؟..
ارتبك، فوق ارتباكه، ولم يعرف كيف يرد، ولكنها أردفت تقول باستحياء:
ــ إنها حاجة تخصك..
استنكر إجابتها بدهشة، وقال:
ــ تخصني أنا ؟!..
ــ نعم.. لقد أردت أن أستعلم عنك عِدة أشياء..
ــ وما هي ؟..
ــ أولاً كنتُ أريد أن أعرف إذا كنت مسلماً حقاً..
ــ أعتقد أن نصارى كثيرين فيهم هذا الاحترام والتوقير للكُتب المقدسة..
ــ ليس في مهنتكم.. عامةً لقد تأكدت عندما لفظت بأن محمداً رسول الله أمام سيارة الأجرة التي ناوشتك أمس..
ــ آها.. فعلاً… ولكن لماذا تريدين أن تعرفي كوني مسلماً من عدمه ؟..
سكتت قليلاً.. ثم قالت:
ــ وكنت أريد أن أعرف لأي مدى تحترم شعائر الدين.. لأي درجة التزامك..
ابتسم ضاحكاً، ثم قال:
ــ غريبة أنتِ !!..
ــ أنا الغريبة ؟!.. يبدوا أنك لا تعرف قدر نفسك يا سيدي..
خجل من كلامها، وحاول أن يتكلم، ولكنه وجدها تقول:
ــ لم أرى سائق أجرة يتذوق الموسيقى الكلاسيكية، بل وينتقي منها أروع سيمفونياتها.. تُرى ما سر هذا الاهتمام ؟.. ومَن أنت ؟.. هذا ببساطة ما كنت أبحث عنه..
ــ يبدوا أن لدينا هنا متذوقة للموسيقى لا يقل تذوقها عن الشخص الذي تتحدث عنه..
ــ إنني بالفعل مهتمة بالموسيقى، وأُحبها.. وأعدها نعمة من نِعم الله في الكون، ينبغي أن يستخدمها الإنسان بضوابط حتى لا يقع في شُبهة حُرمة كما أي شيء سخره الله للإنسان على الأرض..
فغر فمه دهشة في خفية منها.. وهتف في نفسه: ( يا إلاهي.. إنه نفس اعتقادي، بنفس الكلمات تقريباً.. )
ولكنه لم يملك إلا أن يقول:
ــ لقد أسرتنني بفَهمك.. حفظكِ الله يا أختاه..
ثم استطرد:
ــ هل تسمحي لي أن أُخاطبك بأختاه ؟..
سكتت برهة، جعلته يندم أن سألها هذا السؤال، ولكنها قالت:
ــ بالطبع.. نحن أخوان في الإسلام.. أليس كذلك ؟..
ــ نعم صحيح..
عند هذه اللحظة كانت السيدة والدة الطفل تصعد الحافلة، وهي تلهث، وتتسلم ابنها، وتشكر الفتاة بامتنان بالغ.. ومن ورائها بدأ الرُكاب يتوافدون على السيارة.. وفي غضون دقائق كانت السيارة قد أقلت العدد المطلوب من الرُكاب..
وفي نفس الكلاسيكي ارتياح بالغ، لتلك الفتاة التي ورائه، وتمنى لو أُتيحت له الفرصة كي يُكمل حديثه العذب معها.. ولكنه قنع بهذا الحديث المُوجز…
وطوال اليوم، لم يبرح رأسه هذا اللقاء الجميل.. الذي فيه كثير من الإشارات، وإن لم تكن واضحة.. لقد صدق ظنه فيها.. إن لها معرفة لا يُستهان بها في مجال الموسيقى، وحس عالي في تذوقها…
ولم يبرح فِكره لقاءها حتى اليوم التالي.. انتظر في مكانه لعلها تُبكر في حضورها فيُكملان حديثهما.. لشد ما يتشوق للحديث إلى شخص له نفس الاهتمامات والهوايات.. وبالأخص الحديث عن الموسيقى والسيمفونيات التي تسمعها لأشهر الفنانين العالميين..
انتظرها.. ولاحت له من بعيد بهيئتها الوضاءة، وبمُحياها المُشرق الآسر.. وأثناء ذلك إذ صعد السيارة عدد من الرُكاب، فأحس بالإحباط لعدم تواجد الفرصة للحديث بحرية كما كان بالأمس.. وصعدت، وجلست في مكانها، وألقى نظرة جانبية سريعة ناحيتها، مُبتسماً بمرح طفيف، وقال بشبه همس:
ــ تأخرتم اليوم قليلاً..
لم يدري أسمعت كلمته أم لا، ولكنها لم ترد أو تُعلق على كل حال..
واكتمل العدد سريعاً، وسُرعان ما مضى في رحلة المحطات التي يخوضها كل يوم..
وتكرر الأمر في اليوم التالي.. وتكدر قليلاً.. وأحس أنه سيفقد وقع اللقاء وإشعاعه، وفرصة الحديث.. وكاد أن يقع في شِراك الإحباط واليأس، لولا أن دارت في رأسه بعض الأفكار التي تطارحت من أجل تطوير فكرة متكاملة لاستئناف الحديث، ومن ثم التعرف عليها، ومَن يدري.. ثم تطوير علاقته بها في نطاق رسمي..
في اليوم التالي.. تمنى على الله أن تسنح الفرصة للحديث معها مرة أُخرى.. وما مرت دقائق حتى فوجئ بها تُلقي السلام من ورائه، فرد بأحسن منه، وقد خفق قلبه في قوة، وشعر بقشعريرة تسري في أوصاله.. ولكنه تماسك، وحاول أن يستجمع زمام نفسه، حتى يستطيع أن ينتهز كل ثانية من وجودهما منفردين..
مرت لحظة ذات صمت ثقيل، قبل أن ينبس، قائلاً:
ــ لم تخبريني إذاً لمَن من العازفين تسمعين..
شملهم سكون ندم أثناءه كعادته على طرحه للسؤال، ولكنها ترددت قليلاً، ثم قالت:
ــ عفواً.. ولكن سماعي ومعرفتي بمجال الموسيقى ضئيلين..
ــ كنت أظن عكس ذلك..
ــ إني متذوقة للموسيقى، وسمعت بضع سيمفونيات لعدد من عباقرة الموسيقى لا يتجاوزوا الثلاثة.. ولكني لا أتمادى في ذلك بحكم أن أسرتي لا تستسيغ الموسيقى، وتضع حولها شُبهات يجب اتقائها..
ــ آها.. إذاً فسماعك لها يكون مُتوارياً..
ــ هذا صحيح..
ــ هل بإمكاني أن أسأل سؤال..
ــ طبعاً، إذا أمكنني إجابته..
ــ إنني أعلم أنني أختلف عن كثير من سائقين الأُجرة، وهذا يدعوا لفضول أي شخص، ولكن ما صِلة هذا بأني مسلم من عدمه ؟..
ترددت برهة، ثم قالت:
ــ أولاً هذا شعور عام اتجاه أي شخص متميز.. قد يُعجب الناس بشخصية مبدعة، فيودون أن يكون على دينهم أو على جنسيتهم أو أنه قد نشأ في مدينتهم.. ، ثانياً أنا صحفية.. لدي حاستي الصحفية نحو الأشخاص المتميزين، وأحب أن أكتب عن المسلمين المبدعين حتى يكونوا قدوة للمجتمع ويفتخرون به..
همس في وَله:
ــ يا لها من إجابة..
ثم وجدها تقول:
ــ أرجوا أن تكون إجابتي قد أرضت فضولك..
ــ وهل رضيت فضولك ؟..
ألقى السؤال بدون تفكير، حتى أنه ارتبك بعد أن نثره، وهَم أن يُموه عنه بفكرة أُخرى، إلا أنها ردت من غير توقع:
ــ أعتقد أنك شخصية تحمل كثير من الألغاز.. وجدير بالفضول والنظر..
رد، وهو شارد في وجهها بدون وعي منه:
ــ أشكرك..
ولما وعى لنفسه، رد نظره بسرعة عن وجهها في حياء، ولاحظ أن بعض الرُكاب يحومون حول سيارته، تأهباً للصعود.. فحسم أمره، وسألها بنبرة متعجلة:
ــ أتُحبين المراسلة الورقية ؟..
استغربت قليلاً سؤاله، ثم أجابت:
ــ نعم.. ولدي عِدة صديقات أُراسلهن..
ــ إنني أود أن أُراسلك إن كنتِ لا تُمانعين، فإنني أُحب أن أتعرف على صديق يهتم بنفس المجال الذي أهتم به..
ــ لي الشرف أن أتعرف على شخصية مميزة مثلك، ولعل تلك طريقة تمنحني ميزة كشف الألغاز التي تدعوا للفضول..
قالتها بمرح حيي، ولكنها استدركت بسرعة:
ــ غير أن المراسلة عن طريق العنوان لا تُناسبني في حالتك..
ــ إذا حضرتي مبكراً كل يوم، ستجدين كتاباً على مقعدك المُفضل فيه رسالة المُراسلة..
واتفقا..
وفي كل يوم كانت تجد الكتاب، وعندما تُغادر يجد الكتاب كما هو في مكانه، وفيه الرسالة.. لم تكن رسالته، فهي قد تسلمتها، ولكنها رسالتها إليه، والحق أن رسالتها كانت أضيق مساحةً، وفي كلماتها أقل عددا..
في أول رسالة كلمها عن الموسيقى، وبداية تعرفه عليها وهو صغير، وكم كان يلهى بها عما حوله من أطراح وأحزان، كانت النغمات تسحره، وتُسافر بوجدانه إلى دوحة صحراء شجية أو وادي من المروج الخضراء المُزهرة والمُشجرة البهية يرتع فيها كما يشاء…
وأخذ يُحدثها عن أنواع الموسيقى، شرقية كانت أو غربية، وعن أسماء العباقرة الذين أبدعوا فيها، وعدد لها عِدة روائع من مقطوعات وسيمفونيات لهم، تصيب مَواطن الإحساس العالي بدون عائق، وسرد أسمائها حتى لا تغلب كثيراً في تذوق موسيقى راقية رائعة، قد تحتار أي المقطوعات تستحق السمع الراقي الذي يستهويها..
وردت عليه بأنها كذلك تعشق الأنغام، وأنها تجد من أهلها نفور منها، لذلك يكون صعب عليها أن تسمعها كما يحلوا لها.. وأنها مؤمنة بأن الموسيقى الكلاسيكية المجردة ليس فيها شبهة إلا إذا قُرنت بحرام بكلمات لها ملول يُنافي الشريعة أو رقص أو خمر…
أخبرها عن جهازه الأثير الذي يشغل اسطوانات الموسيقى بجودة عالية.. وعن قصته معه.. ومن أين يُحضر تلك الاسطوانات..
وأخبرته أنها جلبت بعض ملفات الموسيقى من خلال الشبكة المعلوماتية عن طريق حاسوبها في البيت..
تتابعت الرسائل بينهم.. وتطرقت أحاديثهم لشخصياتهم وحياتهم خارج سماعهم للموسيقى..
أخبرها عن مؤهله، وقد كان هذا اللُغز الأول الذي كشفه لها.. ولكنه لم يكن كل اللُغز.. لقد سألته يوماً:
ــ لم تشفي فضولي بخصوص شخصك النادر، الذي وُسم بهذا الجو الرائق الذي تشيعه في سيارتك.. لماذا لا تنهك نفسك في عملك فحسب، وتعود إلى منزلك وبيتك فتُنصت لكل ما تُحب أن تسمع، وتُزاول كل ما تفتقده، وتعيش الجو كما لا بد له، وليس في مجرد سيارة أُجرة..
كان رده عليها، مشوباً بالثقة:
ــ إنني أفعل ذلك لعِدة أسباب وجيهة في رأيي.. أولاًـ لأني لا أريد أن أشغل نفسي بأكثر من جوي وعالمي الراقي، حتى أُحافظ على شخصيتي كما هي سليمة في مستواها عند النقطة التي توقفت عليها، حتى عندما أعود لتحقيق أحلامي في المجال الرفيع الذي درسته وأهواه أجدني عند نفس النقطة التي توقفت عندها.. فلا أتعب ولا أُعاني من السلبيات التي أحاطتني جراء عملي في هذا المجال الشائك المُلوث..
ثانياًـ لأني لستُ أنانياً.. لا أريد احتكار جوي لنفسي وحدها.. إنني أعرف أنه جوٌ رائق ذو مستوى فني راقي، وأريد أن أُشرك الناس معي فيه، إنني أُساهم في تحسين أذواقهم.. كما تعلمين ذوي الذائقة الفنية العالية في بلدنا نادرين.. أحببت أن أُساهم في رِفعة قومي فيما أحسبه يرقى بهم..
ثالثاًـ أظن أنه بعد فترة قد أتواجد في مجتمع أتآلف معه، أو يتآلف معي.. لن أهرب منه لأن ذائقته تختلف مع ذائقتي.. بل سأنسجم معه، وسينسجمون معي.. ونعيش ونتعايش معاً في وِئام لتقارب ذوائقنا الفنية..
أثنت عليه تلك الأفكار الرفيعة.. وفي نفسها أُعجبت به.. أما هو فقد أحس أنها تقبلت إجابته بقبولٍ حسن، وتفهمته، بل شعر أنها تُروج لأفكاره في الجامعة عن قناعة حقيقية.. خاصةً عندما قالت له يوماً:
ــ لقد نسخت عِدة اسطوانات مُدمجة لبعض زميلاتي في الجامعة تحتوي على عدد من المقطوعات الموسيقية المشهورة، بعد أن أسمعتها لهم في هاتفي المحمول من الجيل الثالث، وقد راقتهم للغاية، وطلبوا مني اسطوانات عديدة تحتوي على كميات منها، ليسمعوها وقد تُنسيهم أحزانهم، أو تُساعدهم على تجاوزها، أو تمنحهم الإلهام للعمل أو للدراسة..
سره هذا الخبر منها، وهنئها على نجاحها في تغيير أذواق بعض الناس في السماع إلى الأرقى والأجمل..
وفي نفسه ازدادت لديه الرغبة في أن تكون شريكة حياته..
كانت قليلة هي الأوقات التي تسنح لهما الفرصة للكلام مباشرةً بدون واسطة الورق والرسائل.. بالنسب



























