Yahoo!

( الكلاسيكي ) رواية من وحي خيال الواقع

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 27 مارس 2010 الساعة: 02:18 ص

مسودة غير معدلة

الكلاسيكي

عُرف بين سائقين حافلات الأجرة الشعبية التي ترزح بين كل أنحاء المدينة.. حواريها، وشوارعها الرئيسية، وقريباً من أحيائها الراقية.. بالكلاسيكي..

وعلى مِن هؤلاء السائقين الذين يتسمون بالبجاحة والطبع الخشن، وربما من الجهل الكثير، كان هو مُختلفاً عنهم، حتى لتحسبه أحد الرُكاب المحترمين الذين سيركبون ضمن ركاب الحافلة الصغيرة بعد أن جارت عليه الدنيا، وسلبته من رزق الله الذي قد يُبوئه مقعداً ليناً مريحاً في سيارات الأجرة التي تُسمى "تاكسي"..

ملبسه نظيف، ومُهندم، وتعلو أنفه نظارة ذات إطار فضي رفيع، تكاد تشعر عند رؤيته بها كأنه خريج إحدى كليات القِمة.. ومن الغريب أن تلك المسحة لم تكن مزيفة أو هيئة ذاتية لشخصه قد يتزاهى بها ويختال.. فهو بالفعل خريج أحد الكليات العملية المرموقة التي ينظر الناس للمتخرجين منها نظرة احترام وتهيب وتبجيل.. وكم هي المرات التي أخرج فيها شهادة تخرجه المُغلفة بالبلاستيك اللين الشفاف لأحد الزبائن المشدوهين بين الشك واليقين ـ وما أكثرهم ـ ؛ ليُثبت له زعمه الذي ألقاه عليه في حوار عادي يقوم أحياناً بين السائق وزبائنه المُبالين.. كانت نبرته وهو يُصرح بمؤهله فيها من الحزن والحسرة والخُذلان.. غير أنه سُرعان ما تجده ينسى ويندمج في القيادة..

وعندما يقود تلك السيارة المستطيلة تشعر أنه لا يقود سيارة أجرة شعبية، بل يقود طائرة فارهة، لربانها مِزاج خاص.. حيث كان لديه نظام سماعات فريد في أجزاء السيارة.. كان النظام يبدأ من قُمرة القيادة.. حيث يقبع جهاز التسجيل النظيف قريب من عجلة القيادة، وأسفله تتراص الشرائط فوق بعضها بعض بترتيب مكتبي أنيق.. يضع أحد الشرائط في فوهة التسجيل، ويدفعه برفق للداخل حتى يصل للحد اللازم للتشبث والتمازج والتركب الكامل، فيدور الشريط البني الذي يُعانق ويمر بالمكعب المعدني الصغير الذي يكون المُترجم عن مادة الشريط.. ومن خلال السماعات قد يحسب الرُكاب في المُقدمة أنها ستنطلق بصوت أحد الشعبيين اللذين يبحون بصوتهم الصاخب الأشبه بالنائحة، أو الشبيه بإمرأة صفيقة في حي شعبي تصدح بكلامها الدارج المشوب بالسِباب في هيام غير مدروس.. لم يكن هذا الصوت المُتكرر ولا موسيقته الصاخبة.. وليست موسيقة ولا صوت أحد المُغنيين الشباب لجمهور الجامعات والباطلين.. بل انطلقت من السماعات نغمات موسيقية رقيقة مدروسة مجردة من صوت بشري، على أعلى جودة من العزف الراقي.. وتسبح في جو السيارة فتأسر قائد السيارة، ثم تسري النغمات الناعمة في أوصال الرُكاب.. وتجعل كل الأعصاب المشدودة تلين رويداً رويداً.. وتجعل الوجوه المُتلبدة بالغيوم تسطع بالنور والهدوء فتُبدد الغيوم وتتلاشى.. وتجري الدماء صافية في مجاريها رائقة تتفرع في أنحاء الجسد فتملئه بهجةً ورشاقة، كأنها تتخلص من أثقالها، ورواسبها، وتمنحها القُدرة على التحليق من فرط موافقة الألحان لحاسة الوجدان.. كانت موسيقا كلاسيكية بديعة تتناقض تماماً مع جو السيارة وهدفها وبيئتها ورُكابها..

ولعل هذا هو السبب الأول في شهرة "محمد سالم" بين زملائه السائقين بالكلاسيكي.. كان لقبه من قِبل زبائنه ربما يكون من قبيل التهكم والسخرية، إلا أن اللقب كان يُوافق حالة "محمد" النادرة المتفردة، وبرغم أن "محمد" كان يعلم أن تلقيبه من قِبل زملائه تهكماً، واستخفافاً، فلم يكن يُعرهم اهتماماً كثيراً، أو على الأدق كان قليل الاختلاط بهم، ومع ذلك فقد صادف اللقب هوىً في نفسه، ولم يُحاول التملص منه أو الاعتراض، أو التبرؤ منه أمام الرُكاب والزبائن..

وكان هؤلاء الأخيرين يندهشون دائماً في بداية ركوبهم معه، وسُرعان ما تتبدد دهشتهم عندما يجدون سر اللقب ينكشف لهم ويتبدى أثناء الوُلوج في الطريق.. عندما تنطلق الموسيقا العذبة الهادئة، المُثيرة للوجدان، الساقية للذوق العالي، تصدح في كابينة القيادة، وتسبح بين أذان الزبائن، الذين يشعرون أنهم ليسوا في وسيلة نقل بسيطة عادية مكروهة، بل في حافلة سياحية صغيرة مُجهزة بأحلى أدوات الترفيه.. فتجد منهم الهائم.. والمُسترخي.. والذي لم يحتمل حلاوة الأنغام وهدوئها ففقد وعيه ونام.. وما أن تصل الحافلة لمحطتها يضطر أحد الرُكاب مُتطوعاً لإيقاظ هذا النائم الغافي، الذي يقوم في البدء حائراً، ولا يلبث إلا أن تدب في جسده نوبة نشاط ورشاقة، فيهبط وكأنه يهبط من الجنة، بعد أن أخذ قسطاً من جرعتها الندية، فمنحته حبوراً وانشراحاً..

اشتهر الكلاسيكي دُوناً عن كل سائقين الحافلات الشعبية المستطيلة بين الناس والذين تُعد وسيلة تنقلهم الوحيدة هي تلك الحافلات الصغيرة؛ نظراً لرخص ثمنها، ولم يشتهر الكلاسيكي بينهم لأنه صاحب وسيلة نقل رخيصة..

كان من الطبيعي والمُعتاد أن تجد رُكاب هذه السيارات الذين ركبوا مع سائق أحد تلك المركبات مرة من المرات المتكررة بالضرورة، إذا شاهدوه مرة أُخرى في الموقف يهربون منه في مركبة أُخرى آملين في كل مرة مُعاملة أفضل من سائق محترم.. وقَل ما كانوا ينجحون في مسعاهم، وكثيراً ما خاب أملهم.. ولم يكن للمُعاملة في هذا المضمار أن تختلف.. إلا مع الكلاسيكي..

كان دائماً يأتي باكراً في موعده الذي ضربه له الرجل العجوز الطيب "عم صفوان" صاحب السيارة ليُوافيه عندها قُرب منزل الأخير، ذاك الذي يدعوا له بجزيل الخير والتوفيق، ولا تلبث السيارة أن تنطلق في سبيلها، ويرمقها صاحبها من بعيد بعين واثقة شامخة..

ينتظر الكلاسيكي في الموقف فلا يكاد تمر خمس دقائق حتى تمتلئ سيارته عن آخرها مُستوفية مقاعدها.. يسترخي الرُكاب في مقاعدهم، ويُهيئون أنفسهم، وكأنهم يتأهبون للإقلاع بطائرة سياحية بين السحاب، أو يتأهبون لمُشاهدة فيلم خيالي مليء بالمتعة والجموح.. منهم الذي يسترخي، ويميل بجانبه على صديقه أو على أحد الرُكاب الجُدد يٌسر له بأن يُجهز نفسه لرحلة استجمامية غير مسبوقة..

وكان الرُكوب معه أحياناً ضرباً من المسابقات التي يفوز فيها ثُلة من الناس، ويخسر منهم آخرين.. فعندما يكتمل العدد المُقرر للسيارة قد يأتي أحد الرُكاب السابقين متأخراً دقيقة مثلاً، يجد أن السيارة قد أغلقت بابها، وتجهزت للسير، تنتابه الحسرة والندم على تلك الدقيقة الضائعة التي ألغت متعته واستجمامه الذي ينتظره ليوم كامل.. ويشعر بالأسف الشديد لأنه لم يُلاحق السبق لمقعد شاغر..

وفي السيارة تلين الوجوه رويداً رويداً، وهي تسير على سفح الطريق بهدوء وانضباط حتى ليشعر الراكب أنه يركب مع متخصص في القيادة يقود سيارة موظفين مرموقين..

تلين الوجوه وهي تستمع لأحلى المعزوفات الموسيقية الساحرة، التي تخلب وجدانهم، وتمنحهم مِزاجاً رائقاً لمُتابعة أشغالهم بجد وهِمة ونشاط وإبداع، ووجه منشرح لين..

عدا الرجال المُلتحيين التي تأبى وجوههم أن تلين، وتبقى على تصلبها حتى ينزل أصحابها مُكدرين في المحطة، ونادراً ما تستقلهم السيارة مرة أُخرى.. وعلى كل حال.. كانوا أقل تكدراً وتزمتاً مع سيارة الكلاسيكي؛ لأن ما يزعمونه من أن ضرراً أقل من ضرر، وشبهة أقل من حُرمة..

***

تبدأ مسيرة اليوم بالنسبة للكلاسيكي عندما تسطع الشمس وتبث أشاعتها السحرية بين السماء والأرض، فتتلون السماء بفعل الأشعة ألواناً شجية باهرة.. تتمازج مع بعضها فتصنع لوحة ربانية مُذهلة حتى لو رأتها العين كل يوم.. كذلك تصنع عين الكلاسيكي عند استواء خط الشمس الأول بين السماء والأرض في الأُفق.. تنبهر، وفي الحقيقة نفسه هي التي تهتز لهذا المنظر الخلاب، وود لو استطاع أن يكون رساماً لينقل هذه اللوحة الحية، وحتى لو فعل فلن تُضارع تلك الحقيقة البليغة والبديعة.. كانت هذه أفكاره وخواطره التي عادةً ما تراوده عند الغسق..

تبدأ مسيرة اليوم مع انبلاج أول فلقات الصُبح.. عند أول موكب للموظفين وأصحاب الأعمال.. كل يوم جديد يُصبح أملاً وحُلماً قريب الولوج لعالم الواقع..

مع كل فوج من الرُكاب كان حُلم الكلاسيكي يتضاعف في أن يكفي نفسه ويُسدد واجبه نحو والدته وأخته وأخيه… كان هو الأكبر بين إخوته.. وعندما يتوفى الأب يتولى أول رجل في الأُسرة القيادة والمسؤولية تلقائياً.. كان عليه أن يؤجل طموحاته في مجال دراسته بعد التخرج من الكلية.. إن والدته سيدة مُسنة، ولن يسمح أبداً أن تخرج لمباشرة أي عمل لا يليق بها من أجل أن يُحقق طموحاته ببالٍ رائق.. قد تُراوده نزعة الأنانية، ولكنه لم يكن ليدع لها مجالاً للتنامي داخله.. إنه يملك فِطرة أصيلة، يملك ذلك النُبل الذي يُلازم المتفوقين.. وكيف كان بإمكانه الوصول لإحدى كليات القمة بتقدير ممتاز، لو لم يكن يملك هذا النُبل الدفاق..

إنه الأكبر.. وهو يُحب إخوته.. أخته الأصغر منه بعام ونصف.. "منى"، إنها صديقته.. لن ينسى أبداً أن لديها حلم طالما حدثته عنه.. كم تأمل عينيها الحالمتين وهي تتحدث عنه.. إنه يعشق تلك العينين.. لن يتثنى لها حمل هذا الحلم إلى الخارج إلا بحصر كل جهدها وتركيزه في سنتها الأخيرة من الجامعة.. حتى عندما تتلهى قليلاً، وتنسى جهد أخيها من أجلها.. لا تلبث أن تتراجع وتنزوي وحدها تبكي بغزارة نادمةً لنفسها لائمة.. وتشهق بجملة واحدة محمومة:

ــ كيف تثنى لي إنكار هذا الصنيع النبيل الذي يمنحه لي هذا الشقيق الجليل بسهولة.. كم أنا ناكرة للجميل.. كم أنا ناكرة للجميل..

وما تفتئ إلا أن تعود لدراستها بكل هِمة واجتهاد.. وأمام عينيها ترى حلمها يتهيأ للنزول على الأرض..

كان الكلاسيكي يعي من أخته اضطرابها أحياناً.. ويعي أيضاً أنه يُضحي من أجلها.. من أجل حلمها.. إنه يستحق أوبتها للمسار الذي رسمته معه، والذي ينبض أمام عينيها كحلم يقظة، وبين الكلمات التي تُطالعها في كُتب دراستها.. تلك التي كانت تلتهمها التهاماً.. وكانت هي عاقلة وناضجة مثله بما يكفي لأن تفهم أن الجد والاجتهاد والصبر والمُثابرة هُم السبيل إلى الرِفعة والرخاء والرغد.. فكانت تقوم بكل ما عليها من واجب اتجاه نفسها واتجاه أسرتها.. كانت هي الكبيرة التي تُراعي والدتها، وتهتم بالمنزل وباحتياجاته، وتدرس لأخيها الصغير ما يحتاج لتدعيمه فيه.. ولكنها أحياناً كثيرة ما كانت تتململ وتخور قواها أمام هذا المجهود العظيم.. بالأخص المسؤولية المُلقاة على عاتقها اتجاه شقيقها الصغير.. لم يكن كبيراً بما يكفي لأن يهتم بتفصيل واحد خاص بشأنه.. كانت تهتم من أجله بكل صغيرة وكبيرة.. من أول ملابسه غسيلها وخياطتها، بل حتى عندما يلبسها، فكثيراً ما كان يتعثر في ارتدائها.. مروراً بإطعامه وطلباته التي لا تنتهي.. ثم المذاكرة له، والجلوس بجانبه حتى يستوعب الدروس المقررة عليه.. إلى تبلد الفهم، والمراوغة، والشقاوة.. وبالطبع لم يكن ليبقى لها وقت كثير لاستذكار دروسها.. وكانت كل تلك السلبيات ترجع إلى الأخ الأكبر.. الكلاسيكي.. وكان يضطر لتحمل بعض تلك السلبيات بعد مجيئه من عمله الذي يستغرق أغلب ساعات اليوم.. يأتي عند المغرب، مُتعرقاً، على وجهه أثار الاشمئزاز.. يطمأن على والدته سريعاً، وعندما يخرج من عندها يتجه مباشرةً للحمام الذي جهزته له أخته، فيستحم.. ويخرج شخصاً آخر ووجهاً أصيلاً غير الذي دخل به، صافياً متألقاً لامعاً.. فيرتدي سترة نومه الأنيقة، ويُصفف شعره بعناية، وتفوح من جسمه روائح شذية.. وتشعر أنك أمام أحد الأرستقراطيون الأغنياء.. يقف في حجرته التي يُشاركه فيها شقيقه الصغير، وينتصب باتجاه القبلة، ويرفع كفيه لأعلى وهو يقول بخشوع "الله أكبر"..

عندما ينتهي من صلاته، يجلس على المائدة، وفيها ما يُقوت نفسه، ويسد رمقه وجوعه.. وهو يُراقب أخته وأخيه.. ويدعوهما للطعام معه، وأحياناً أحد منهما يستجيب.. فيستأنس به، تشكو أخته له من أخيه، أو يطلب أخيه بعض مطالبه الباهظة والخيالية أحياناً..

عندما ينتهي طعامه، يقوم حامداً الله.. ويجلس في حجرة والدته يحاول الاستئناس بها.. وفي تلك الآونة يأمر أخيه أن يأتيه بمذاكرته.. فيفعل ويظل ساعتين يُذاكر له يتخللهما أداء صلاة العشاء.. وبعدها يحين موعد نوم الفتى الصغير، فيذهب إلى مأواه، في الحجرة..

ويستأذن الكلاسيكي من والدته بعد أن تُباركه، ويدلف إلى حجرته، ويُغلق بابها عليه.. ويجلس على مكتبه القديم، الذي ظل سنيناً يتكدس بالكتب والمراجع والدفاتر والأوراق.. كان متعوداً كل يوم أن يقرأ ويتثقف، وأحياناً يمسك بكتب الجامعة، ويُذاكرها من جديد.. مثلما كان يفعل من زمن على هذا المكتب..

كم كانت حياته عبارة عن هذا المكتب بكتبه المفتوحة وتقلبات صفحاته، وقلمه الذي لم ينم أبداً، كان يظل سائراً شامخاً على الصفحات يترك أثره منقوشاً عليها.. وذاك المصباح العتيق، الذي طالما كان يستضيء به طوال الليل، في السنين الماضية، يشهد على قراءاته وانكفئاته على الكتب والأوراق.. تلك المساحة الصغيرة كانت عالمه الذي حلم عليه، أغلب أحلامه كانت عليه.. ولم تكن على ذاك السرير المهجور في هذه الزاوية البعيدة.. وكم عمل ودرس وقرأ وتعلم وأحب الدراسة على هذا المكتب، والموسيقا الهادئة الكلاسيك الرفيعة لسيمفونيات العازفين العباقرة العالميين، تُذاع من محرك الأقراص المدمجة الحديث..

ذاك الذي ادخر ثمنه من المصروف، الذي كان يمنحه له والده الحبيب كل أسبوع، عندما كان في المرحلة الإعدادية، وقام بشرائه عندما كان في المرحلة الثانوية.. ظل لمدة ثلاث سنوات يحلم باليوم الذي يشتري فيه محرك الاسطوانات المُدمجة، الذي يشغل الموسيقا بأعلى جودة ممكنة.. وعندما تجمع له ثمنه، ذهب لشرائه، وذُهل عندما فوجئ بأن ثمن الجهاز قد رخص وانخفض عن الثمن الذي كان يحسبه للثلثين فقط.. سُر كثيراً لهذا الأمر، وفرح بهدية الله إليه.. ويومها دخل المنزل وفي يديه حقيبتين.. حقيبة فيها حلمه الواقع الذي طالما حلم باقتنائه حتى يستمع للموسيقا التي يعشقها.. والحقيبة الأُخرى كانت عبارة عن حلوى فاخرة كان أفراد أسرته يتنسمون منها ولو قطعة صغيرة، وبالأخص والده، الذي كان كُلما توفر معه فائض من مال أحضرها لأسرته، وهو جزل يُوشك شوقه لها أن يبتلع لسانه مع ريقه من إغرائها.. كان الكلاسيكي يعرف ذلك الفرح الذي ينتاب أبيه والمُتعة واللذة الآسرتين كُلما تذوق منها قطعة.. وكانت هذه السنة وما بعدها جدباء قليلة المال، إذ كان المرض قد بدأ يتسرب إلى والده، وكَل الرجل بجسده وعلته، وقل عمله وعائده.. المهم أن دخلة الكلاسيكي على أسرته بهذه الحلوة الفاخرة قد أسفرت منهم السرور البالغ، وبالأخص أبيه الذي انتعش وأزهر.. كان يوماً جميلاً مرحاً لا يُنسى..

***

تحمل والده الكثير من أجل أن يستر أسرته ويُعلم أولاده كلهم، ويربيهم على الرُقي ودماثة الأخلاق.. علمهم أن بالصبر والإصرار ينولوا كل شيء.. وكم يذكر جلسة والده مع أسرته في بعض ليالي السمر، عندما كان يُضاحكهم ويُداعبهم ويُحادثهم ويتبادلون حديثاً ممتعاً فيه كل أنواع الأُنس والحب والعطف والمشاعر البشوشة.. يذكر هذا الجزء من جلستهم عندما يطلب من كل ولد من أولاده أن يُحدثه عن حلمه وطموحه.. ويكون أمتع وأأنس الحديث وأهنئ السمر لكل واحد من أولاده.. كان يلحظ تلك العينين الأبويتين الهائمتين مع أحد أولاده وهو يطلعه على أحلامه ومطامحه.. تلك العينين التي ورثها منه، وأخذ عنه تلك النظرة الهائمة اللطيفة المُرهفة.. كأنما تود لو تملك القدرة على تحقيق رغبات المُحيطين بها وآمالهم وتطلعاتهم..

كم يذكر كم ناضل والده من أجل أن يُحقق له طموحه الذي طالما حدثه عنه في صغره.. دعمه بالمال وبالوسائل وبالرِفق وبالنُصح.. كان يرى أبيه يشق على نفسه حتى يُوفر له المال اللازم للدراسة في السنة التالية من كليته.. حتى لا يُعرضه للإحساس بدونيته عن زملائه الآخرين.. كان "محمد" يرى ذلك واضحاً أمام عينيه.. كان يُحب والده.. بل يعشقه.. يرى أثار التعب الشديد عليه، ومع ذلك لم يكن أسعد منه عندما يُسلم ابنه المال في أول يوم دراسة من السنة الجديدة في الكلية من أجل أن يشتري كل الكتب المُقررة، وما يلزمه للدراسة فيها.. كان الألم البادي على وجه أبيه وجسده يدفعانه للنجاح والتفوق..

الغريبة أن يموت أبيه بعد أسبوعان من نهاية السنة الأخيرة من كليته.. لقد ظل يدعمه طوال مرحلة الجامعة.. ومات قبل حتى أن يعرف نجاح ابنه، وتقديره الممتاز.. تلك المحصلات تدبر فيها الابن الأكبر كثيراً.. وانتهى لعِدة رسائل قدرية..

لقد كان والده يدعمه ليس من أجل نجاحه فحسب، ولكن هدفه الأسمى أن مرحلة الجامعة كانت بداية الحُلم الذي كان يحلم به ابنه، أراد أن يضع قدم هذا الأخير عليه.. إنما هي نقطة البداية، وبعد ذلك يهون كل شيء.. لقد ركز على بِكره لأنه خليفته من بعده.. لقد دعم الأساس حتى يتحمل الأساس بعد ذلك البرج العالي.. بإمكانه من بعد تلك الخطوة أن يُكمل الخطوات الأُخرى إما عاجلاً أو آجلاً.. غير أن الظروف كانت تتجه بحلمه وبخطواته إلى التأجيل ريثما يُقيم الأساس بعض الأعمدة عليه.. حتى يصعد بطوابقه بعد رسوخها باطمئنان وأمان..

المشكلة أنه لا يُمكن أن يصل للقمة إلا بعد أن يبني طوابق غيره.. ولا بد أن يبنيها جيداً حتى يُمهد لطابقه الخاص الذي يُعد له تصوراً وإبداعاً رفيعا..

يجب أن يُوفي ما عليه من أمانة اتجاه والده رحمه الله.. أن يرعى أشقائه حتى يصل بهم إلى بر الأمان.. وليصل إلى طموحه فيما بعد..

لا يستطيع الكلاسيكي بين الحين والآخر أن يُقاوم تلك الأحاسيس التي تنتابه اتجاه نفسه واتجاه مستقبله.. ذاك الإحساس الذي يطغى عليه ويؤلمه يُحاول الانفجار من صدره.. ولكنه يُسارع إلى كبته بعد أن يرسل إشارات حُلمية مخضبة بالأمل، تُهدئ تلك الطاقة العاتية، وتأخذ منها أجلاً مؤقتا..

  لقد فهم ذلك الحب الممزوج بالأُبوة وبالمسؤولية.. تلك العاطفة المشبوبة بالحكمة.. ذلك التفاني من أجل أن تعيش براعم أُخرى.. يا له من تفان.. ويا له من موت.. ويا له من حب.. سبحان الذي بلور تلك العواطف مع الحصافة.. لذلك كله أحب والده، واحترم أبوته.. بل اعتز بها..

كلما أطال التفكير في موت أبيه وتدبره.. يخرج منه كل مرة وكله عزم على مواصلة المسيرة التي خططها له والده ولأشقائه.. إنه يملك ذلك التفاني.. لقد ورثه منه.. لم يتعسر عليه أن يستعيره، أو يفتعله.. لم يجد مضرة في أن تضيع فترة من حياته من أجل أن يُحيي حياة عِدة أحياء.. إنه لثمن بخس مُقابل أن يحيي عدة كيانات إنسانية بدل أن يحيي حياةً واحدة فقط.. ما زال شاباً.. يملك من الطاقة الوفير.. غير أنه يخشى أحياناً أن تخفت تلك الطاقة في صدره، أن تُذوى وتموت مع الأيام، وتلو السنوات..

تلك أمانيه ومخاوفه.. بين اتزانٍ ورُجحان..

كُلما نظر إلى هذا المكتب  الذي شهد على وفير علمه، ورِفعة وسيلته، ومحطة حلمه الأُولى انتشى قليلاً واشتاق، وتجيش نفسه كثيراً وتلتاع.. وتصطرع نفسه بالرغبات والمسؤوليات..

كان يشكر الله عز وجل أن موت أبيه وغيابه عنهم أتى في الوقت المناسب، وإلا كان قد حُرم الجامعة، وساء طريقه.. أو ساءت معيشة الأسرة برمتها.. ذلك كان عزاءه الذي طالما أثلج صدره وأراحه..

عندما وجد أن الأسرة تحتاج لرب أسرة جديد بعد انتهاء أجل الأول.. تقدم يخلفه.. وطريق حلمه وطموحه لم يكن قد استوى بعد أو تمهد.. تلك عادةً ما تكون طريق طويلة يخوضها المُبدعين حتى يُصبحوا قمة وعباقرة يُشهد لهم بالإبداع..

ولعل أبيه فهم ذلك.. ولعل هذا السبب الغير مُعلن عنه، الذي جعل والده يصطحبه معه في سيارة الأُجرة المستطيلة ليومين بعد انتهائه من الاختبارات النهائية في الجامعة..

وفي اليوم الثالث تحدث والده معه، وطلب منه أن يتعلم القيادة، وأن يحصل على بطاقة تصريح أو ترخيص بالقيادة.. استغرب الفتى طلب أبيه، فلم يكن لها لزوم.. حيث أنهم لا يملكون مالاً كافياً ليملكوا سيارة خاصة بهم.. كما أنه سيعتمد على نفسه في المواصلات التي تُعينه على أداء مشاويره.. وحسب تخطيطه أنه سيكمل تعليمه، وسيُحضر ( الماجستير )، ثم بعدها ( الدكتوراه ).. كان هذا تصوره.. غير أن الأقدار أرادت له أمراً آخر.. تشاور مع والده بخصوص طلبه، وأبدى اندهاشه واعتراضه.. غير أن إلحاح والده عليه، الذي حز في نفسه جعله يرضخ له..

وذهب بالفعل وتدرب على القيادة.. ولم يتثنى لوالده أن يرى رخصته أيضاً.. إذ وافته المنية قبل الحصول عليها..

والحق أن الكلاسيكي بعد موت والده احتار كثيراً.. هل يُكمل ما بدأه لاحتياز الرخصة بناءاً على طلب أبيه.. أم يتوقف عن اتخاذ إجراءاتها.. ويُكمل مشواره إلى طموحه… ولكنه سرعان ما انتبه وفطن لتدبير الأقدار.. إنه المُكلف بأسرته الآن بحكم بِكريته لأشقائه.. إن أول مَن رأوه والده ووالدته.. وُولد أشقائه فكان أول مَن رأوه.. إنه الرباط الذي يربط الطرفين الآن.. يجب أن يعقد طرفي تلك الرابطة حتى تحيا به.. بدون تلك العُقدة سينفرطوا وينفلتوا..

لا يُمكن أن يسمح بذلك.. لا بد أن يكون لهم راعي.. رب أسرة يُصرف شؤونها.. يُربيهم ويصرف عليهم.. من أين ؟!.. وكيف ؟!..

تلك هي الأسئلة المطلوب طرحها.. وتحتاج لإجابة..

 إنه لا يُجيد أي مهنة سريعة الكسب.. إن أقرب المهن إليه هي مهنة أبيه.. سائق أجرة.. ليس سواها التي درج على قصص أبيه عن مصاعبها ومواقفها وحالتها وأحوالها وشؤونها وأوضاعها.. إنها المهنة الوحيدة التي سمع عنها بغض النظر عن مهنة دراسته في الجامعة.. مجال الدراسة الذي طالما حلم بالعمل في ميدانها.. والمهنة الأقرب إلى قلبه يلزم للعمل فيها عِدة سنوات كِثار.. لا بد من دراسة "ماجستير"، وتحضير "دكتوراة".. يلزمها خبرة.. وأين هو المكان الذي سيقبله وليس لديه خبرة، بل أي مُرتب حقير سيقبضه إذا قبلته مؤسسة ما قبلته على ما هو عليه من افتقاد للخبرة، وحداثة عهده بالتطبيق العملي.. لن يستطيع أن تحتمل أسرته هذا الضيق أمام ما تحتاجه من متطلبات ماسة.. فضلاً عن عدم احتماله هو نفسه.. كيف سيُمكنه العمل والدراسة والتزود بالخبرة أمام ضنك العيش الذي يُخيم على أفراد أسرته.. بل إنه نفسه سيحتاج للمرتب ليصرف به على تنقلاته بين العمل والمنزل، سيحتاج لأن يصرف على الكتب التي لا بد منها للماجستير والدكتوراه والخبرة.. أين التركيز في كل ذلك.. وأين المال المُعين على جميع ذلك..

إن المهنة القريبة إلى عقله وخبرته.. هي القيادة.. أن يكون سائق أجرة مثل أبيه.. مؤقتاً.. وليس للأبد..

وفهم الحكمة من طلب أبيه لاستخراج الرخصة.. وعلى ذلك كان عليه أن يُتابع استخراجها.. وبالفعل نجح في امتحان المرور بجدارة، واستلم رخصة القيادة..

ودخل "الكار" الجديد.. ولم يكن يدري عنه الكثير.. فقط ما سمعه عن أبيه بين الحين والحين بعض المصاعب والمواقف والتجارب والقصص التي كان يمر بها يقصها على والدته.. فتنال أذنه بعض صدى الحديث.. وكان يُفكر كثيراً عن أن والده انتحى مساراً يختلف قطعياً عن مسار أولاده.. وأنه مهما حدث فلن يتوازى المساران أبداً.. ولم يُفكر يوماً أن الحال ستؤول إلى ما هي عليه الآن.. إلى ما اضطرته الظروف الزمنية والمكانية والعرضية إليه.. والتقى المساران عند نفس النقطة.. سائق أجرة ؟!..

ساعتها عرف أن الرياح دائماً تجري وتهب بما لا تشتهي ولا تُحب السفن.. وهو كالسفينة بلا منارة ولا مرساة في عرض البحر، ليس أمامه غير علامات النجوم.. والرياح هي الدنيا وما يختفي فيها من قضاء وقدر تنفرج كل حين بقدرٍ ومقدور بأمر ربها..

يبقى السؤال المتوالد الذي ألح عليه كثيراً، وأقض مضجعه، وجفته كل سبل الراحة، وأعياه البحث له عن إجابة..

أيمكنه أن يتنازل ؟.. أن يهبط من مستواه العالي ؟!.. أن ينخفض لتلك الفئة المُتدنية ؟!!.. أن يتعامل مع حُثالة الناس بعد أن كان يتعامل مع علية المجتمع، والنخبة.. بعد أن كان يتكلم بلباقة وهدوء وموضوعية.. يتحدث كالغوغاء والسوقيين والدُهماء بما سيفرضه عليه العمل في الشارع..

أي انحدار يغشاه بعد ذلك ؟!.. أي انفصام في الشخصية بعد ذلك ؟!.. أي انكسار لأحلامه بعد ذلك ؟!.. بل أي مستقبل وأي طموح سيرنوا إليه بعد ذلك ؟!.. أي عُمرٍ سيضيعه في هذه البيئة المقيتة المزرية ؟..

إن حدد لنفسه مُهلة تقوم أسرته بعد أن يجهد نفسه ليكفيها من الرعاية.. بعد أن يُجهد نفسه في هذا الجو الذي لا يُلائم أحلامه ومطامحه، وتتأثر شخصيته حتماً ببيئة عوام الناس، وبيئة نازعة للجهل، وضيقة الأُفق، وفظة المعاملة، وغليظة الطباع، ولكنتها وقحة، وألفاظها خارجة وبذيئة، تلك هي البيئة التي تفرض نفسها على الخائضين فيها، إنهم لا يُدركون حتى أنهم يتحولون لفئة الغوغاء والسفهاء..

كيف سيعود لشخصيته الأُولى ؟، كيف سيُدرك أن شخصيته تبدلت ؟.. كيف سيستعيد شخصية الجامعي، الذي لديه كل أسباب الوصول لفئة النُخبة ؟.. عدا المال.. هل عندما يملك المال سيعود ببساطة لمكانته العلمية، ويُكمل تخطيط أحلامه العالية ؟..

تباً لهذا المال الذي يُفرق بين مطامح الإنسان ونفسه.. تباً له إذا فرق بين خلافة الإنسان على الأرض وبين معيشته ومطالبه.. تباً له عندما يفرض حياةً أُخرى غير تلك المحبوبة التي يتطلع إليها الإنسان.. إن أهون عليه أن يتقاعس عن المسؤولية المُلقاة على عاتقه ناحية أسرته، ولا يترك نفسه لهذا الانحدار المقيت إلى نفسه..

اجتاحته هذه الأفكار، ومثلها معها..

برغم أن والده كان من أحسن السائقين، والذي اعتبره الكلاسيكي السائق الذي خرق القاعدة العامة لسائقين الأجرة إلا أنه ظل سائق أُجرة.. إنه بالمقارنة بالآخرين كالطبيب بالنسبة للممرض أو كالمهندس بالنسبة لعامل البناء.. أو كالعالم بالنسبة لبائع الخضار.. كان والده مُختلفاً في أسلوبه، وفي هندامه، وفي قيادته، وفي كلامه، وفي معاملته.. وتقريباً لم يكن أحد يسمع صوته كثيراً.. ولكنه ظل سائق أُجرة حتى مات..

كانت لديه بالتأكيد مطامح وآمال في نفسه، ولكنه لم يُحققها.. ما زال يذكر نظرته إليهم وهُم صغار، وكيف كان يسمع لآمالهم وخططهم المستقبلية لأنفسهم.. كان يُلاحظ هذا البريق العجيب يلمع من عينيه.. ولم يخبوا يوماً.. حتى عندما ألح عليه في عمل الرخصة، لم يخبوا هذا البريق عندما رمقه.. إذا كان والده قد أحس بقُرب أجله، وأن المسؤولية ستُلقى على أكبر أبنائه من بعده، وأن عليه أن يسلك مسلك قيادة سيارات الأُجرة، فأي حلمٍ قد يحلمه الأب لولده، ويبرق في عينيه بعد ذلك ؟.. ولماذا تركه يتعلم كل هذا التعليم، من أجل أن يُتابع مسيرة مهنة أبيه الروتينية التي تشبه حلقة دائرية لا يُعرف أولها من آخرها ؟..

 

وعند تلك الأفكار المُتواردة المُحيرة.. انفتحت أمام عقله كوة تفاؤل، وتكشفت لديه حكمة لا بأس بها.. ما الذي يضيره إذا وضع خطة مستنيرة يعتمد عليها تُهون عليه ألم الانخلاع من جلده الحقيقي، وتُبقي على سجاياه الأصلية محفوظة من كل عوامل البيئة الفاسدة.. إن المدة التي تكفيه للعمل في هذا المجال والاستفادة منه مادياً سيستغرق منه بضع سنين.. إن كان ولا بد من ضياع جزء من العُمر في الشقاء والتعب في الدنيا، يأخذ كل إنسان في الدنيا نصيبه منه بالضرورة، فلا مناص من تجرعه، كأنه دواءٌ مضادٌ حيوي مُر يلزم المريض مُعاقرته لفترة معينة موقوتة حتى يبرئ من داءه وسقمه واعتلاله، ولا يُعاوده المرض مرة أخرى..

وبذلك بدأت خطته تتكون لديه، وتتبلور.. حتى أنه كتبها على صفحة ورقة من القطع الصغيرة، واحتفظ بها في محفظته، يُخرجها صباح كل يومٍ جديد، ينظر فيها ويُراجعها..

لقد كانت سيرة أبيه خير معين على تطوير تلك الخطة الاستراتيجية.. لن يدع تلك البيئة تُسيطر عليه، أو تصبغه بألوانها المُغبرة والفجة.. لن يُعطي لأحد الفرصة كي يوصمه بوصمة سائقي الأجرة الممجوجين، المُستهترين، والغِلاظ، الفظين.. سيكون هو أيضاً.. مثل أبيه.. الذي خرق قاعدة السائقين.. النسخة المطورة.. التي تُناسب مؤهله، وطموحاته، واتسامه بالكلاسيكية..

***

لقد بحث عن الراعي الذي كان يتولى والده.. العم أو "الحاج صفوان".. ذاك الذي كان يسمع والده يتحدث عنه دائماً بالخير.. وتحدث معه عن أنه يريد أن يُمسك زمام سيارته، ويخلف والده في قيادتها.. وتردد الرجل.. كيف يُمكن لهذا الفتى ربيب الجامعات والتعليم العالي أن يتبوأ مقعداً دَنياً بين سائقي الأجرة المتواضعين.. كيف يُمكنه أن يكون مسئولاً عن سيارة باهظة الثمن مثل التي يملكها..

ولم يكن من الفتى إلا أن شرح له الظروف التي وضعته في تلك المسئولية، وأبرز له الرخصة التي استلمها من قريب.. ولم يكن الرجل ليردخ سريعاً، ولكنه راعى ظروفه وراعى سيرة أبيه، ورضي أن يستمر لمدة كافية من الوقت تابعاً لسائق من السائقين في إحدى سياراته الأجرة؛ حتى يتعلم ويزداد خبرة.. فلا بد من التدريب والمتابعة الجيدة، حتى يكتسب خبرة كافية؛ لتؤهله لقيادة مركبة تحتوي على أرواح بشر.. وأفهمه أن قيادة أي سيارة على سفح الطريق تحتاج من قائدها خبرته وانضباطه وأمانته واحتماله مسئولية ركابها أكثر من مجرد قيادتها وحسب..

تعلم من الرجل.. وتعلم وفهم وتابع أحد عُمال الرجل العجوز السائقين المحترمين، وهُم للعلم يُعدون على أصابع اليد الواحدة..

ولم تمضي فترة كبيرة، حتى أتقن كل شيء.. وحتى بعد أن اعتمد على نفسه واستقل، كُلما حدثت مشكلة بالسيارة أو تطلبت أمراً، استطاع عقله أن يتخذ إجراءاً حكيماً في وقت قياسي، واستطاع أن يتصرف بسرعة، كأنه سائق محترف قضى في مهنته عقداً كاملاً.. مما حدا بالرجل الطيب مالك السيارات أن يُمكنه على أفضل سياراته..

ولم يكن من مناص أن يصطدم بأعتى عُتاة السائقين المتجبرين.. وحاولوا أن يستفزوه من مهنتهم، وأن يبعدوه عن (كارهم)، كانوا يستنكرون أن يحوز هذا الشاب المتعلم تلك المميزات.. أن يتميز عليهم بأحسن السيارات، وهو جديد في المهنة، وربيب جامعات، الذي لم تخشن يديه، ولم تتعود على القبض عل عجلة القيادة.. لم تتعود إلا على إمساك القلم بأطراف أصابعه.. وتولد كُره لديهم له، وكم حاكوا له من المؤامرات والمكائد الهمجية، وما كان هو ليخوض في غيهم، ولا ليخضع.. بل بنى لنفسه شخصية عتيدة محترمة.. كان أسلوبه الراقي يُبهر من أمامه ويُعجز إرادتهم على الاستمرار في المكيدة.. لم يتعودوا شخصاً يُقابل سيئتهم بإحسان، ولم يتعودوا شخصاً يُواجه همجيتهم بوقار، ويستقبل عنتهم واستكبارهم برِفعة وإكبار.. حتى لكان منهم من يخجل ويخفر من نفسه ومن أسلوبه الوقح وتصرفه المشين أمام هذا الرُقي والنُبل والاحترام المُتجسد في الكلاسيكي.. برغم أن الأخير كان يمقت تلكم الثُلة الغاشمة، إلا أنه كان يُدرك كيف يُخمد تلك الكراهية أمامهم، ويستبدل بها حكمةً ووقارا، وتوددا.. كان يُحافظ على أن لا يُشعر أحد منهم أنه مُتعالي أو يترفع عن الاحتكاك بهم.. ولكنه كان إذا اضطر لمعاملتهم ظهر منه الود والانسجام والأُلفة.. وكانوا بتلك السجايا يبتهجون ويأنسون وتزيد في قلوبهم محبته وإعزازه، ويشعرون بالتميز أن لهم علاقة وصِلة بهذه الشخصية الفريدة، بل ويتفاخرون بها أحياناً..

ولقد كان أمره يُحيرهم.. عندما يكون قريباً منهم، كأنه شِبه مثلهم، ويتودد إليهم، ويبش في وجوههم، ويتجاذب معهم أطراف الحديث، القصير عادةً لحدٍ ما.. وإذا بعد عنهم يشعرون أنه ليس ذاك الذي كان يُلاطفهم منذ لحظات.. وكأنه شخص آخر.. ولكنهم ما كانوا يملكون غير أن يُقدمون له الاحترام والمحبة والتقدير.. ربما جعلتهم مُعاملته لهم يميلون إليه؛ لأنهم يفتقدون تلك المعاملة النظيفة بينهم، يفتقدون أن يُعاملهم أحد بذوق وأدب ونُبل.. وما كان لأحدٍ أن يحترمهم إلا في حالة واحدة، ألا وهي أن يُجبرونه بالقوة.. ولا عجب أن منطقهم الأقرب إليهم هو القوة، الذي يفهمونه ويستسهلونه.. وفي تلك الحالة لا يكون احتراماً بشكل دقيق، إن هو إلا قناعاً يُظهر الاحترام، ويُخفي ورائه الخوف والجُبن والكُره..

استطاع الكلاسيكي أن يكسب جميع من حوله.. واستطاع في ذات الوقت أن يحتفظ بجوه الخاص.. الجو الذي أشاعه في عمله، وأشرك الجميع فيه.. جو لم يتعود لا السائقين ولا الرُكاب عليه.. جو ينتشر بين مرموقي المجتمع، وخاصته..

والعجيب أن هذا الجو قد راق الجميع.. وكم كانت دهشة الكلاسيكي عندما وجد ذلك الاستحسان.. لقد كان في البداية عازماً ألا يهتم لأحد في ذائقته السماعية.. لقد كان زملائه السائقين كل منهم يسمع ما يروق لهم.. وأغلبها كانت متدنية فنياً وذوقياً.. وأياً كان فقد كانوا يفرضون ذائقتهم على الرُكاب، مهما كان استياء هؤلاء الأخيرين.. ولقد فعل الكلاسيكي مثلما فعلوا.. لم يُعر للرُكاب اهتماماً من تلك الناحية.. كل ما كان يفعله أنه يُدير موسيقته بمستوى من الصوت يصل إلى رُكاب المقاعد الأُولى، ثم الثانية، وبالكاد الثالثة.. ظل هكذا يحترم لحدٍ ما ـ بما يُحتم عليه تهذيبه وأخلاقه ـ غالبية الرُكاب، حتى حصل مرة أن طلب منه أحد رُكاب مقاعد الصف الثالث أن يرفع من صوت الموسيقى.. ولم يهتم كثيراً لتلك الحادثة.. حتى تكرر ذلك الطلب للمرة الثانية من مقاعد الصف الرابع.. ومرة ثالثة.. ورابعة.. وخامسة… حتى شعر أن رُكاب بعينهم يتكرر ركوبهم، ويختارون سيارته بالذات.. ولم تمضي فترة طويلة حتى اقتنع أن الناس أحبت موسيقته..

وكانت هي من ضمنهم !!..

لم يكن في البدء ينتبه لها.. ورويداً رويداً بدأ يُلاحظ أنها الوحيدة التي تُداوم على الحضور في الموعد الذي يُوافق موعد افتتاحية تحميله للرُكاب.. تصعد مُلقية السلام، بقمة الأدب والوقار بذاك الحجاب، الذي برغم بساطته يبدوا مُحكماً في شروطه الشرعية، ويُغطي صدر زيها الأنيق الفضفاض.. ذات وجه هادئ الملامح، يبدوا كأنها طالبة تذهب إلى جامعتها.. يظهر ذلك من المحطة التي تنزل فيها، قُرب الجامعة، وبذلك الملف الأنيق الذي يحتوي على كتب ودفاتر وأقلام.. كانت تجلس في مقعد الصف الثاني القريب من النافذة.. وورائه مباشرةً.. كانت تظل ساكنة طوال الرحلة، تُنصت للموسيقى في هدوء، مُطرقة برأسها، وكأن العازف بين يديها، لا تملك أن ترفع إليه عينيها، ولا يُمكنها غير الانسجام مع موسيقته، واستراق النظر كل فترة ترقبه من خلال المرآة الداخلية أو من خلال المرآة الخارجية لتكشف وقع نغمة أثرت بها على وجهه.. لترى كيف شعر بها، وما تأثيرها على وجدانه من خلال ملامحه.. كان أحياناً ينتبه على غير مقصد منه أن عينيه التقت مع عينيها مُباشرةً، وفي سرعة تتراجع عينيها لترتبك قليلاً ثم تُخفضهما ناحية الأرض في خفرٍ واحتشام.. وما يلبث أن يندهش لهذا الفِعل الخفي..

تكررت المرات التي انتبه لها وهي تسمع موسيقته، ثم تسترق النظر للحظة إليه، ثم تعود عينيها إلى أدراجها.. وبدا أنه قد استهواه اهتمامها، وشعر كأنه عازف يعزف لها، وهي بين يديه ترمقه من حين لآخر مُعجبة ببعض مقطوعاته..

 

وفي أحد الأيام.. وجدها قد أخرجت كتاباً صغيراً، وبدأت في قراءته بخشوع عجيب، وعندما دقق في ماهية الكتاب، تبين له أنه القرآن الكريم.. وبدون تردد، امتدت أصابعه تُغلق مذياع الموسيقا.. وأكمل طريقه، وهو يرمقها كل هنيهة من خلال المرآة، واستغرب أنها لم تُبدي أي بادرة اتجاه فِعله، بل ظل وجهها مُنكفئاً على السطور المُقدسة، تُتابعها بتركيز بالغ.. إلا حين أرادت سيارة أجرة أن تقطع عليه الطريق بشكل مُستفز، فهتف في حنق يُهدئ من نفسه قائلاً في تلقائية:

ــ لا إلاه إلا الله، محمد رسول الله..

ولم يلحظ شبح الابتسامة على ثغر الفتاة، ثم عادت لكتابها كما كانت، وما أن بلغت الرحلة محطتها، نزلت بكل بساطة بعد أن أغلقت المصحف، وحفظته في حقيبتها..

وظل يُفكر في أمرها طوال اليوم، بل ولم ينم بسهولة أيضاً.. لقد كانت بينهما علاقة من الصمت الوطيد المُتفاهم.. لقد كان بينهم تناغم يتمازج مع تلك الموسيقى التي يُذيعها وتستمع إليها دائماً.. ما الذي حصل اليوم ؟..

إنه لا يستنكر فِعلها، إنه نفسه يقرأ في المصحف قليلاً بعد أداءه لصلاة الفجر، قبل خروجه للعمل، ولكنه يستغرب موقفها الغير مُعتاد هذه المرة..

لقد أعجبه فِعلها، ولكنه يستغربه، ويشعر أنه غير منطقي.. تُرى لماذا تصرفت على غير اعتيادها.. إن كانت تريد أن تقرأ القرآن، فليست السيارة مكاناً مناسباً للقراءة، خاصةً وهي تستمع للموسيقى.. إنها غريبة.. ولكنها مثيرة للحيرة.. إنها تبدوا ناضجة ومُنضبطة، وتبدوا ذات وجدان رائق، ونفس مُرهفة..

هناك صِلة تربطه بها يستشعرها كلما نظر إليها، أو فكر فيها.. لا يُمكن أن تفوت عنه هذه النظرة الشجية، والوجه المتأثر عندما تسمع الموسيقى.. لم يرى ذلك التفاعل الوجداني الذي يستشفه من علامات وجهها، إلا عندما يرى وجهه في المرآة على غفلة منه عندما يكون مُندمجاً مع نغمات وألحان الموسيقى.. بالتأكيد الموسيقى تلمس أوتار وجدانها مثلما تفعل به بنفس الدقة والحس الفني.. وختم أفكاره قبل أن ينام بهذا الرجاء: ليتني أحظى بتلك الفتاة زوجةً لي تتفهم جوي وأحاسيسي وطموحاتي الواسعة الآفاق…

 

وفي اليوم التالي.. كان جالساً في سيارته كعادته، ريثما تمتلئ السيارة بالعدد المطلوب، ترك باب السيارة مفتوحاً على مصراعيه كالعادة.. وبينما هو ينتظر، إذا لفت نظره اقترابها ناحية السيارة، فاعتدل في جلسته، وأهمه الأمر، وبينما هو في ارتباكه وأفكاره، سمعها تُلقي السلام كعادتها قبل الصعود، رد عليه في خفوت، ثم استقلها مقعدها المُعتاد في السيارة، وورائها مباشرةً صعدت سيدة ومعها ابنها، أجلسته على المقعد المجاور لها، وطلبت منها في رجاء، أن تُبقي نظرها على ابنها حتى تقوم بمكالمة سريعة في "السنترال" المُقابل للمحطة، فأومأت الفتاة لها، وابتسمت لها ابتسامة وقورة تقول لها أن اطمئني..

وظل هو يُراقب الموقف، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، كان يود لو يستطيع أن يبدأ بكلمة مناسبة تؤهله للتعرف عليها.. وبينما هو في ارتباكه العميق.. كانت تُلاعب الطفل من ورائه، عندما سكتت برهة، وأعقبتها بجملة فاجأته، بصوتٍ خفيض خجول:

ــ أشكرك كثيراً لإطفائك مذياع الموسيقى بينما كنت أقرأ في المصحف..

ارتبك قليلاً، ثم نظر في المرآة التي تعكس مكانها، فوجدها قد قالت الجملة وهي تنظر للطفل في حياء.. تلعثم، ولم يدري ما يقول، ثم استعار جرأته التي اكتسبها من التعامل مع الناس، وقال:

ــ لا شكر على واجب يا سيدتي.. لا شيء يعلو فوق كتاب الله..

ابتسمت في إعجاب، ثم سمعته يستطرد في حيرة:

ــ ولكني كنت مندهش قليلاً من تصرفك أمس..

شملهما سكون، استثقله، وود لو لم يُبدي دهشته بجملته الأخيرة، ولكنه سمعها تُردف:

ــ إنها حاجة في نفس يعقوب قضاها..

لم يكن ردها إلا ليزيد حيرته فوق حيرته في موقف الأمس.. ما دامت قالت تلك الجملة، فهي لا تبغي أن تُفصح عن سر الموقف، أو أنها استحت للكلام معه بينما كان بإمكانها الإفصاح، أو أنه أمرٌ لا يعنيه.. فلا داعي للتمادي بشأنه، ووجد نفسه يتراجع، ويقول بصوت مُنكسر:

ــ مُتأسف..

ــ لماذا تتأسف ؟..

ارتبك، فوق ارتباكه، ولم يعرف كيف يرد، ولكنها أردفت تقول باستحياء:

ــ إنها حاجة تخصك..

استنكر إجابتها بدهشة، وقال:

ــ تخصني أنا ؟!..

ــ نعم.. لقد أردت أن أستعلم عنك عِدة أشياء..

ــ وما هي ؟..

ــ أولاً كنتُ أريد أن أعرف إذا كنت مسلماً حقاً..

ــ أعتقد أن نصارى كثيرين فيهم هذا الاحترام والتوقير للكُتب المقدسة..

ــ ليس في مهنتكم.. عامةً لقد تأكدت عندما لفظت بأن محمداً رسول الله أمام سيارة الأجرة التي ناوشتك أمس..

ــ آها.. فعلاً… ولكن لماذا تريدين أن تعرفي كوني مسلماً من عدمه ؟..

سكتت قليلاً.. ثم قالت:

ــ وكنت أريد أن أعرف لأي مدى تحترم شعائر الدين.. لأي درجة التزامك..

ابتسم ضاحكاً، ثم قال:

ــ غريبة أنتِ !!..

ــ أنا الغريبة ؟!.. يبدوا أنك لا تعرف قدر نفسك يا سيدي..

خجل من كلامها، وحاول أن يتكلم، ولكنه وجدها تقول:

ــ لم أرى سائق أجرة يتذوق الموسيقى الكلاسيكية، بل وينتقي منها أروع سيمفونياتها.. تُرى ما سر هذا الاهتمام ؟.. ومَن أنت ؟.. هذا ببساطة ما كنت أبحث عنه..

ــ يبدوا أن لدينا هنا متذوقة للموسيقى لا يقل تذوقها عن الشخص الذي تتحدث عنه..

ــ إنني بالفعل مهتمة بالموسيقى، وأُحبها.. وأعدها نعمة من نِعم الله في الكون، ينبغي أن يستخدمها الإنسان بضوابط حتى لا يقع في شُبهة حُرمة كما أي شيء سخره الله للإنسان على الأرض..

فغر فمه دهشة في خفية منها.. وهتف في نفسه: ( يا إلاهي.. إنه نفس اعتقادي، بنفس الكلمات تقريباً.. )

ولكنه لم يملك إلا أن يقول:

ــ لقد أسرتنني بفَهمك.. حفظكِ الله يا أختاه..

ثم استطرد:

ــ هل تسمحي لي أن أُخاطبك بأختاه ؟..

سكتت برهة، جعلته يندم أن سألها هذا السؤال، ولكنها قالت:

ــ بالطبع.. نحن أخوان في الإسلام.. أليس كذلك ؟..

ــ نعم صحيح..

عند هذه اللحظة كانت السيدة والدة الطفل تصعد الحافلة، وهي تلهث، وتتسلم ابنها، وتشكر الفتاة بامتنان بالغ.. ومن ورائها بدأ الرُكاب يتوافدون على السيارة.. وفي غضون دقائق كانت السيارة قد أقلت العدد المطلوب من الرُكاب..

وفي نفس الكلاسيكي ارتياح بالغ، لتلك الفتاة التي ورائه، وتمنى لو أُتيحت له الفرصة كي يُكمل حديثه العذب معها.. ولكنه قنع بهذا الحديث المُوجز…

وطوال اليوم، لم يبرح رأسه هذا اللقاء الجميل.. الذي فيه كثير من الإشارات، وإن لم تكن واضحة.. لقد صدق ظنه فيها.. إن لها معرفة لا يُستهان بها في مجال الموسيقى، وحس عالي في تذوقها…

ولم يبرح فِكره لقاءها حتى اليوم التالي.. انتظر في مكانه لعلها تُبكر في حضورها فيُكملان حديثهما.. لشد ما يتشوق للحديث إلى شخص له نفس الاهتمامات والهوايات.. وبالأخص الحديث عن الموسيقى والسيمفونيات التي تسمعها لأشهر الفنانين العالميين..

انتظرها.. ولاحت له من بعيد بهيئتها الوضاءة، وبمُحياها المُشرق الآسر.. وأثناء ذلك إذ صعد السيارة عدد من الرُكاب، فأحس بالإحباط لعدم تواجد الفرصة للحديث بحرية كما كان بالأمس.. وصعدت، وجلست في مكانها، وألقى نظرة جانبية سريعة ناحيتها، مُبتسماً بمرح طفيف، وقال بشبه همس:

ــ تأخرتم اليوم قليلاً..

لم يدري أسمعت كلمته أم لا، ولكنها لم ترد أو تُعلق على كل حال..

واكتمل العدد سريعاً، وسُرعان ما مضى في رحلة المحطات التي يخوضها كل يوم..

وتكرر الأمر في اليوم التالي.. وتكدر قليلاً.. وأحس أنه سيفقد وقع اللقاء وإشعاعه، وفرصة الحديث.. وكاد أن يقع في شِراك الإحباط واليأس، لولا أن دارت في رأسه بعض الأفكار التي تطارحت من أجل تطوير فكرة متكاملة لاستئناف الحديث، ومن ثم التعرف عليها، ومَن يدري.. ثم تطوير علاقته بها في نطاق رسمي..

في اليوم التالي.. تمنى على الله أن تسنح الفرصة للحديث معها مرة أُخرى.. وما مرت دقائق حتى فوجئ بها تُلقي السلام من ورائه، فرد بأحسن منه، وقد خفق قلبه في قوة، وشعر بقشعريرة تسري في أوصاله.. ولكنه تماسك، وحاول أن يستجمع زمام نفسه، حتى يستطيع أن ينتهز كل ثانية من وجودهما منفردين..

مرت لحظة ذات صمت ثقيل، قبل أن ينبس، قائلاً:

ــ لم تخبريني إذاً لمَن من العازفين تسمعين..

شملهم سكون ندم أثناءه كعادته على طرحه للسؤال، ولكنها ترددت قليلاً، ثم قالت:

ــ عفواً.. ولكن سماعي ومعرفتي بمجال الموسيقى ضئيلين..

ــ كنت أظن عكس ذلك..

ــ إني متذوقة للموسيقى، وسمعت بضع سيمفونيات لعدد من عباقرة الموسيقى لا يتجاوزوا الثلاثة.. ولكني لا أتمادى في ذلك بحكم أن أسرتي لا تستسيغ الموسيقى، وتضع حولها شُبهات يجب اتقائها..

ــ آها.. إذاً فسماعك لها يكون مُتوارياً..

ــ هذا صحيح..

ــ هل بإمكاني أن أسأل سؤال..

ــ طبعاً، إذا أمكنني إجابته..

ــ إنني أعلم أنني أختلف عن كثير من سائقين الأُجرة، وهذا يدعوا لفضول أي شخص، ولكن ما صِلة هذا بأني مسلم من عدمه ؟..

ترددت برهة، ثم قالت:

ــ أولاً هذا شعور عام اتجاه أي شخص متميز.. قد يُعجب الناس بشخصية مبدعة، فيودون أن يكون على دينهم أو على جنسيتهم أو أنه قد نشأ في مدينتهم.. ، ثانياً أنا صحفية.. لدي حاستي الصحفية نحو الأشخاص المتميزين، وأحب أن أكتب عن المسلمين المبدعين حتى يكونوا قدوة للمجتمع ويفتخرون به..

همس في وَله:

ــ يا لها من إجابة..

ثم وجدها تقول:

ــ أرجوا أن تكون إجابتي قد أرضت فضولك..

ــ وهل رضيت فضولك ؟..

ألقى السؤال بدون تفكير، حتى أنه ارتبك بعد أن نثره، وهَم أن يُموه عنه بفكرة أُخرى، إلا أنها ردت من غير توقع:

ــ أعتقد أنك شخصية تحمل كثير من الألغاز.. وجدير بالفضول والنظر..

رد، وهو شارد في وجهها بدون وعي منه:

ــ أشكرك..

ولما وعى لنفسه، رد نظره بسرعة عن وجهها في حياء، ولاحظ أن بعض الرُكاب يحومون حول سيارته، تأهباً للصعود.. فحسم أمره، وسألها بنبرة متعجلة:

ــ أتُحبين المراسلة الورقية ؟..

استغربت قليلاً سؤاله، ثم أجابت:

ــ نعم.. ولدي عِدة صديقات أُراسلهن..

ــ إنني أود أن أُراسلك إن كنتِ لا تُمانعين، فإنني أُحب أن أتعرف على صديق يهتم بنفس المجال الذي أهتم به..

ــ لي الشرف أن أتعرف على شخصية مميزة مثلك، ولعل تلك طريقة تمنحني ميزة كشف الألغاز التي تدعوا للفضول..

قالتها بمرح حيي، ولكنها استدركت بسرعة:

ــ غير أن المراسلة عن طريق العنوان لا تُناسبني في حالتك..

ــ إذا حضرتي مبكراً كل يوم، ستجدين كتاباً على مقعدك المُفضل فيه رسالة المُراسلة..

واتفقا..

وفي كل يوم كانت تجد الكتاب، وعندما تُغادر يجد الكتاب كما هو في مكانه، وفيه الرسالة.. لم تكن رسالته، فهي قد تسلمتها، ولكنها رسالتها إليه، والحق أن رسالتها كانت أضيق مساحةً، وفي كلماتها أقل عددا..

 

في أول رسالة كلمها عن الموسيقى، وبداية تعرفه عليها وهو صغير، وكم كان يلهى بها عما حوله من أطراح وأحزان، كانت النغمات تسحره، وتُسافر بوجدانه إلى دوحة صحراء شجية أو وادي من المروج الخضراء المُزهرة والمُشجرة البهية يرتع فيها كما يشاء…

وأخذ يُحدثها عن أنواع الموسيقى، شرقية كانت أو غربية، وعن أسماء العباقرة الذين أبدعوا فيها، وعدد لها عِدة روائع من مقطوعات وسيمفونيات لهم، تصيب مَواطن الإحساس العالي بدون عائق، وسرد أسمائها حتى لا تغلب كثيراً في تذوق موسيقى راقية رائعة، قد تحتار أي المقطوعات تستحق السمع الراقي الذي يستهويها..

وردت عليه بأنها كذلك تعشق الأنغام، وأنها تجد من أهلها نفور منها، لذلك يكون صعب عليها أن تسمعها كما يحلوا لها.. وأنها مؤمنة بأن الموسيقى الكلاسيكية المجردة ليس فيها شبهة إلا إذا قُرنت بحرام بكلمات لها ملول يُنافي الشريعة أو رقص أو خمر…

أخبرها عن جهازه الأثير الذي يشغل اسطوانات الموسيقى بجودة عالية.. وعن قصته معه.. ومن أين يُحضر تلك الاسطوانات..

وأخبرته أنها جلبت بعض ملفات الموسيقى من خلال الشبكة المعلوماتية عن طريق حاسوبها في البيت..

 

تتابعت الرسائل بينهم.. وتطرقت أحاديثهم لشخصياتهم وحياتهم خارج سماعهم للموسيقى..

أخبرها عن مؤهله، وقد كان هذا اللُغز الأول الذي كشفه لها.. ولكنه لم يكن كل اللُغز.. لقد سألته يوماً:

ــ لم تشفي فضولي بخصوص شخصك النادر، الذي وُسم بهذا الجو الرائق الذي تشيعه في سيارتك.. لماذا لا تنهك نفسك في عملك فحسب، وتعود إلى منزلك وبيتك فتُنصت لكل ما تُحب أن تسمع، وتُزاول كل ما تفتقده، وتعيش الجو كما لا بد له، وليس في مجرد سيارة أُجرة..

كان رده عليها، مشوباً بالثقة:

ــ إنني أفعل ذلك لعِدة أسباب وجيهة في رأيي.. أولاًـ لأني لا أريد أن أشغل نفسي بأكثر من جوي وعالمي الراقي، حتى أُحافظ على شخصيتي كما هي سليمة في مستواها عند النقطة التي توقفت عليها، حتى عندما أعود لتحقيق أحلامي في المجال الرفيع الذي درسته وأهواه أجدني عند نفس النقطة التي توقفت عندها.. فلا أتعب ولا أُعاني من السلبيات التي أحاطتني جراء عملي في هذا المجال الشائك المُلوث..

ثانياًـ لأني لستُ أنانياً.. لا أريد احتكار جوي لنفسي وحدها.. إنني أعرف أنه جوٌ رائق ذو مستوى فني راقي، وأريد أن أُشرك الناس معي فيه، إنني أُساهم في تحسين أذواقهم.. كما تعلمين ذوي الذائقة الفنية العالية في بلدنا نادرين.. أحببت أن أُساهم في رِفعة قومي فيما أحسبه يرقى بهم..

ثالثاًـ أظن أنه بعد فترة قد أتواجد في مجتمع أتآلف معه، أو يتآلف معي.. لن أهرب منه لأن ذائقته تختلف مع ذائقتي.. بل سأنسجم معه، وسينسجمون معي.. ونعيش ونتعايش معاً في وِئام لتقارب ذوائقنا الفنية..

أثنت عليه تلك الأفكار الرفيعة.. وفي نفسها أُعجبت به.. أما هو فقد أحس أنها تقبلت إجابته بقبولٍ حسن، وتفهمته، بل شعر أنها تُروج لأفكاره في الجامعة عن قناعة حقيقية.. خاصةً عندما قالت له يوماً:

ــ لقد نسخت عِدة اسطوانات مُدمجة لبعض زميلاتي في الجامعة تحتوي على عدد من المقطوعات الموسيقية المشهورة، بعد أن أسمعتها لهم في هاتفي المحمول من الجيل الثالث، وقد راقتهم للغاية، وطلبوا مني اسطوانات عديدة تحتوي على كميات منها، ليسمعوها وقد تُنسيهم أحزانهم، أو تُساعدهم على تجاوزها، أو تمنحهم الإلهام للعمل أو للدراسة..

سره هذا الخبر منها، وهنئها على نجاحها في تغيير أذواق بعض الناس في السماع إلى الأرقى والأجمل..

وفي نفسه ازدادت لديه الرغبة في أن تكون شريكة حياته..

كانت قليلة هي الأوقات التي تسنح لهما الفرصة للكلام مباشرةً بدون واسطة الورق والرسائل.. بالنسب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دراسة نقدية لروايتين مُعاصرتين: “عمارة يعقوبيان” و”شيكاجو”.. لـ د.علاء الأسواني(الجزء الأول)

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 27 يناير 2010 الساعة: 03:46 ص

نقد ما أقرأ

دراسة نقدية لروايتين مُعاصرتين:

"عمارة يعقوبيان" و"شيكاجو".. لـ د.علاء الأسواني

 

تمهيد..

قبل الشروع في النقد أُحب أن أبدأ عِدة مقدمات ستفيد فيما بعد عندما أعرض نقدي..

فهو إن كان نقدي ورأيي الخاص أولاً وأخيراً، فإنني أُحب أن أعرض على أحبائي المُثقفين والأُدباء ما أحسبه يُفيد النقد الأدبي، ويُدخلنا في نقاش بناء.. يُساهم في نظرة نقدية تدخل من ضِمن مفهوم صناعة الحياة الجديد..

 

أبدأ بعرض الروايتين ليقرئها مَن كان لديه استعداد لقراءة النقد، واستعداد للتفهم والنقاش (بموضوعية)..

 

وقبل نشر الروايتين، وإن كنت مُتردداً كثيراً في نشرهما في البدء مخافة الفتنة، ولكن لمعرفتي مدى تميز أعضاء المنتدى، وموضوعيتهم وثقافتهم ومسؤوليتهم عن الأدب الراقي، وغيرتهم على الدخيل فيه، سأنشرهم بما أعلمه من فهمهم العالي، وعذري الذي سيتفهمونه ويُسامحوه.. أُحب أن أُخلي مسؤوليتي أمام الله عز وجل بهذا الشرط:

 

كل مَن يجد في نفسه القوة لقراءة هاتين الروايتين فليفعل، وأخلوا مسؤوليتي من ضعف وفتنة تسربت لأي قارئ…

 

رواية عمارة يعقوبيان:

http://www.yasaree.net/books/yaq.pdf

 

رواية شيكاجو:

http://www.4shared.com/file/36237347/d3 … ed=87e0a05 

 

 

وليسامحني الله إن افتتن أحد بأي منهما أو كِلاهما، إنه يعلم نيتي الصافية، وتعلمون ثقتي في إيمانكم وعقليتكم والموضوعية التي تحظون بها أيها الأحباء..

 

***

 

أعرض ثانياً عِدة مقدمات خاصة بالتعريف على المؤلف:

 

سيرة ذاتية لمؤلف الروايتين:

من مدونته:

http://alaaalaswany.maktoobblog.com

 

 

ـ علاء الأسواني

ـ روائي وطبيب

ـ أتم تعليمه الأساسي في مدرسة الليسيه الفرنسية بالقاهرة

ـ يتحدث الإنجليزية والفرنسية و الأسبانية

ـ بكالوريوس طب الأسنان من جامعة القاهرة عام 1980

ـ ماجستير طب الأسنان جامعة إلينوي. شيكاجو 1985

ـ درس الأدب الأسباني في مدريد

ـ لازال يمارس الطب في عيادته الخاصة بحي جاردن سيتي بالقاهرة

ـ كتب المقال والقصة والرواية في معظم الدوريات المصرية

ـ كتب عموداً أسبوعياً للنقد الأدبي بعنوان جملة اعتراضية في جريدة الشعب المصرية، ثم أصبح مسئولاً عن الصفحة الثقافية في نفس الجريدة

ـ كتب مقالاً سياسياً شهرياً في جريدة العربي الناصري المصرية على مدى أعوام

ـ يكتب عموداً أسبوعياً في جريدة الدستور المصرية المستقلة

_ وحالياً يكتب عموداً أسبوعياً في جريدة الشروق الجديدة المستقلة .. إصدار دار الشروق

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مؤلفاته الأدبية :

 

ـ أوراق عصام عبد العاطي ”رواية” 1990

ـ الذي اقترب ورأى ” مجموعة قصصية ” 1990

ـ جمعية منتظري الزعيم ” مجموعة قصصية ” 1998

ـ عمارة يعقوبيان ”رواية” 2002

ـ نيران صديقة ”رواية و مجموعة قصصية” 2004 و2008

ـ شيكاجو ”رواية” 2007

ـــــــــــــــــــــــــــــ

 

الجوائز الأدبية :

 

ـ جائزة باشرحيل للرواية العربية 2005

ـ جائزة كفافي للنبوغ الأدبي من الحكومة اليونانية 2005

ـ الجائزة الكبرى للرواية .. مهرجان تولون فرنسا 2006

ـ جائزة الثقافة من مؤسسة البحر المتوسط في نابولي 2007

ـ جائزة جرينزاني كافور للرواية ( أكبر جائزة إيطالية للأدب المترجم ) تورينو إيطاليا 2007

ـ جائزة برونو كرايسكي في النمسا .( تسلمها من رئيس وزراء النمسا ) 2008

ـ جائزة فريدريش روكيرت ألمانيا (أول أديب يحصل عليها في العالم حيث أنها تنظم للمرة الأولى ) 2008

ـ تم اختياره بواسطة جريدة التايمز البريطانية، كواحد من أهم خمسين روائياً في العالم تمت ترجمة أعمالهم إلى اللغة الإنجليزية خلال الخمسين عاماً الماضية.

ـ تم اختياره كأبرز شخصية أدبية في العالم العربي في استطلاع قناة العربية عام 2007

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ـ ظلت روايته عمارة يعقوبيان الرواية الأعلى مبيعاً في العالم العربي لمدة خمس سنوات، وقد تراجعت الآن إلى المرتبة الثانية لتترك المرتبة الأولى في التوزيع لروايته الجديدة شيكاجو (تعليقي: بالطبع، فهي أضل وأنكأ من الأُولى في الفحش والبذاءة والجنس) التي حققت 13 طبعة في أقل من عام ونصف، وصدرت منها حتى الآن الترجمة الفرنسية التي تلقتها الأوساط الأدبية والصحفية الفرنسية بحفاوة كبيرة ودخلت قائمة الأعلى مبيعات في فرنسا.

وقد صدرت مؤخراً الترجمات الإنجليزية والألمانية والإيطالية والنرويجية والدانمركية، وتصدر بقية اللغات خلال هذا العام.

 

ترجمت أعماله الأدبية إلى 27 لغة أجنبية، وتصدرت رواية عمارة يعقوبيان قائمة الكتب الأعلى مبيعاً في ايطاليا وفي فرنسا، حيث واختارتها مجلة لير لتكون في المرتبة السادسة بين أهم 20 كتاباً صدرواً في فرنسا خلال عام 2006، وقد اختارتها مجلة نيوزداي الأمريكية كأهم رواية مُترجمة في الولايات المتحدة لنفس العام .

وسوف يتم الاحتفال الشهر القادم ببيع مليون نسخة من رواية عمارة يعقوبيان في 23 لغة وأكثر مائة دولة حول العالم.

 

 

سيرة ذاتية للناقد "صلاح الدين عبدي" في نفس مدونة المؤلف:

s.abdi57@gmail.com

 

السيرة الذاتية لعلاء الأسواني: د.علاء الأسواني ولد في 26 مايو1957 بالقاهرة، في عائلة البرجوازية، هو ابن الأديب عباس الأسواني المحامي، الذي أحيا فن المقامات وسمّاها المقامات الأسوانية في الستينات من القرن العشرين، وحاز علی جائزة الدولة من جرّاء رواية «الأسوار العالية»، غير أنه لم يكن مثل ابنه ذاع صيته.

علاء ينتمي نفسه إلى أسرة مثقفة؛ لأن جده أيضاً كان شاعراً مُرتجلاً و عم والدته عُين مدة وزيراً للمعارف.

يعتبر علاء أستاذه الأول أباه ؛ لأنه أرشده إلى الكتابة وأعطاه مكتبته الضخمة، ونشأ و ترعرع علاء في وسط هذه المكتبة التي تضم أفضل وأروع الإبداعات الإنسانية في مختلف المجالات.

و تتلمذ لأصدقاء أبيه الذين كانوا يعتبرون أعلام مصر مثل إحسان عبد القدوس، وعبد الرحمان الشرقاوي، وحسن فؤاد، وصلاح جاهين ولويس جريس و…

ونلاحظ أن الهواية الأولى له هي القراءة منذ نعومة أظافره، وبسبب نصيحة والده المحامي بأن يجب عليك ألا تعتمد علی الرواية وتمتهنها؛ لأنها ستقدم لك تنازلات كل يوم، لذلك التحق بكلية الطب بجامعة إلينوي في شيكاغو في الولايات المتحدة، وحصل علی شهادة الماجستير في طب الأسنان، وهي نقطة تحول في حياته، وعلی حد قوله: الأطباء في بلاده يحصلون علی شهادة الطب عن طريق حبهم للأدب.

وبهذه الجامعة تعلم قواعد البحث العلمي والتفكير العلمي، وهو يتقن عدة اللغات منها: الفرنسية؛ لأنه كان درس الثانوية في مدرسة الفرنسية والأسبانية؛ لأنه أخذ منحته الدراسية في أسبانيا لدراسة الأدب في الحضارة الأسبانية والإنجليزية.

مازال علاء الأسواني يمارس مهنته كطبيب للأسنان مبرراً ذلك بأنه لا يريد أن تُصبح الكتابة وسيلة يتكسب منها عيشه، بل هواية يتنفس ويحلم من خلالها.

وهو عضو في حركة كفاية المعارضة في مصر.

 

أما بالنسبة إلى أعماله القصصية فها هي ذي:

1- جمعية منتظري الزعيم: رواية نشرها عام 1998 هي مجموعة من كبار السن من أقطاب الوفد يحاولون تحضير روح مصطفی النحاس رئيس وزراء مصر وزعيم الوفد قبل قيام الثورة 1952.

2- عمارة يعقوبيان: رواية نحن بصددها

3- نيران صديقة: التي تتألف من عشر قصص ضمت قصة طويلة بعنوان «الذي اقترب و رأی» تقع في أكثر من مآئة صفحة، وأول قصة كتبها علاء وبسبب رقابة الجهات الحكومية، والتأمر والنحس وعدم الحظ لم يستطع أن يُصدرها.

في هذه المجموعة القصصية لن تجد قصة بهذا العنوان إلا إن هذا التعبير «نيران صديقة» شاع مؤخراً خلال الحرب علی العراق حين كانت الفرق العسكرية، الأمريكية والبريطانية تُصيب بعضها البعض وتقتل، والنيران الصديقة عند علاء الأسواني هي تلك التي تصيب بعضنا البعض. تم طبعها عام 2004 وقد صدر منها أربع طبعات خلال سنة ونصف. ومن خلالها أعاد الأسواني نشر أعماله القديمة.

4- شيكاجو: هي الرواية التي تدور حول ظاهرة الفساد في مصر والمصريين المغتربين في الولايات المتحدة والعنصرية التي تسود المجتمع الأمريكي بعد أحداث 11سبتمبر.

 

كما يكتب مقالة شهرية بجريدة العربي الناصري.

الأسواني في معظم روايته يُهاجم الحكومة المصرية؛ لأنه يراها سبب إحباطه في بداية أمره.

 

 

تقديم لرواية عمارة يعقوبيان لنفس الناقد:

 

تُرجمت الرواية إلی عدة لغات، منها: الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والعبرية، وفي فرنسا بيع 160 ألف نسخة منها، وكم مرة أُعيد نشرها.

ونهاية عام 1998 وقتها كانت فكرة رواية «عمارة يعقوبيان» قد تولدت لدی الأسواني، وبدأ في الإعداد لها، واتخذ قراراً بالهجرة خارج مصر بعد الانتهاء من كتابة الرواية.

وظل يبحث عن مكان يستعد للهجرة إليه، وقام بعمل البحث على شبكة الإنترنت، فوقع اختياره على دولة نيوزيلندا، فبدأ يجمع عنها كل المعلومات المتاحة صغيرها وكبيرها استعداداً للرحيل، حتى أنه أصبح على معرفة بكل تفاصيل الحياة هناك كما لو كان قد عاش فيها. (لمزيد من المعلومات راجع موقع دروب في شبكة الانترنت).

 

لعمارة يعقوبيان قصة طريفة يرويها علاء الأسواني قائلاً: «كنت أسير في أحد شوارع حي غاردن سيتي العريق بوسط القاهرة قرب السفارة الأمريكية، يومها كان العمل يجري لهدم إحدى العمارات السكنية، فوقعت عيني على بقايا أثاث شقق تلك العمارة، مكتب قديم، شباك خشب، مرآة عتيقة، كل هذه الأشياء جعلتني أتوقف أمامها، وتساءلت بيني وبين نفسي: ترى كم رسالة حب كُتبت على هذا المكتب؟، وكم وجه طالع تلك المرآة؟، وكم شاب وقف في الشباك في انتظار ظهور حبيبته من شباك البيت المقابل »( السابق) .

 

قرر علاء الأسواني نشر روايته بنفقته الخاصة في نسخ قليلة، وهو مثل أصحاب الحوليات يحفظ في ملفات خاصة في كمبيوتره مختلف الروايات، ويُغذيها بتفاصيل وشخصيات وخلفيات من البحث والدراسة ولما يشعر بالحد الكافي منها يبدأ بكتابتها مثلما فعل بعمارة يعقوبيان.

كانت عيادة طبيب الأسنان تقع في هذه العمارة هناك، إذن قابل العديد من الأنماط والشخصيات التي أوحت له بالتأكيد هذه الرواية.

أول مُشجع لطبع ونشر الرواية هو جمال الغيطاني الروائي الشهير.

استغرقت كتابة وتنقيح الرواية ثلاث سنوات.

بعد انتهائه من «عمارة يعقوبيان»، كانت الأقدار ترتب لعدم رحيله عن مصر، فقد قرأ الرواية عدد من أصدقائه الضالعين في الحياة الأدبية، وبينهم جلال أمين، وبهاء طاهر، وجمال الغيطاني، رئيس تحرير مجلة «أخبار الأدب» الذي بدأ في نشرها على حلقات في المجلة مطلع عام 2002، وهو ما دفع علاء الأسواني إلى التراجع عن الهجرة، بعد أن قوبلت الرواية بالكثير من الترحيب من جمهور المثقفين والقراء.

***

 

ثالثاً: الدراسة النقدية لرواية "عمارة يعقوبيان":

 

أُنوه قبل إدراج النقد، أنه من ضِمن ملف خاص أنشأته من أجل نقد ما أقرأ..

 

منهجي في النقد:

قراءة الرواية، ثم كتابة تعليقاتي بمعزل عن أي تعليقات أُخرى عنها، ثم بعد ذلك قراءة نقد بعض النقاد إيجاباً وسلباً.. بعض المُعجبين والمنبهرين بها، وبعض الرافضين المُستنكرين.. والزيادة والتنقيح والتوضيح وبعض الاقتباس على نقدي..

 

النقد رأيي الخاص الذي يحق لي طرحه.. ربما كنت مُصيباً فيه كله، أو بعضه، وربما مُخطئاً فيه كله أو بعضه.. داعياً المولى عز وجل أن ينفع به الأدب الراقي بما يرفع من قيمة الإنسان فناً وذوقاً ووجداناً على الأرض.. إنه وليُ ذلك والقادر عليه..

 

ومع ذلك صدري رحب للغاية في تناول الروايتين بالنقد من جميع الأعضاء مهما كانت مستوياتهم…

المهم أننا نجتمع على النية في رفعة الأدب الراقي..

 

وتلك مُساهمة مني في صناعة الحياة.. أُساهم بها في أن أكون نوع مُتزن من نُقاد جُدد يُدافعون عن قِيم الأدب الراقي..

ليس نقداً لروايتي عمارة يعقوبيان، وشيكاجو بالأخص.. ولكن نقد عام، أُبين فيه عن وِجهة نظري النقدية..

 

 

 

دراسة نقدية لرواية: "عمارة يعقوبيان"، تأليف: علاء الأسواني

 

مبدأ الرواية يعتمد الأسلوب الجنسي لبقية أجواء الرواية، وهي الغالبة في أحداث المشاهد، وقد يكون الأمر متعمداً في الرواية العربية الغير ملتزمة أو القديمة، أن يتخلل العمل بعض المشاهد الجنسية، إلا أن الرواية لا تعتمد على بثها كعادة روائية فحسب، ولكنها تنتهج الجنس كفكرة قصة وكسياق طبيعي وهدف، ويجعل تهافت كل أفراد الرواية الرئيسيين على الجنس، كأن الجميع غارق في وحل من القذارة، بالإضافة إلى أن الأمر أخذ منحى تأكيدي أن موضوع الرواية الأساسي هو الجنس، من خلال الشخصية الشاذة جنسياً فيها، ولا تكاد تجد تطور للأحداث إلا عن طريق الجنس الذي هو سيد الأحداث ومحركها وهدفها ومشبعها..

ولم أجد شخصية واحدة لم تُمارس الجنس في الرواية، بل كل الأشخاص مارسوا الجنس مرات عديدة، وعلى الأقل مرة واحدة.. بداعي وبدون داعي، وما أكثر انعدام الداعي..

بالإضافة إلى أن المشاهد تصف عملية الجنس بالتفصيل، مما يضع القارئ في موضع إثارة بالغة، إذ الوصف يجمح بالخيال مقارنةً بالمشاهدة التي تضع الأمر في حدود معينة..

وصراحةً شعرت أن الكل فاسد، والكل مجرم، والكل في أسفل المنحدر…

 

وأجد رواية بشهرة عمارة يعقوبيان أمر يدعوا للخطورة من أوجه:

 

ـ منها أن موضوع الرواية هو الجنس بجانب أن الأمر لا يعدوا تلميحاً وغاية فحسب، إنما ألفاظاً وتجسيداً وإيحاءاً ووصفاً مثيراً للشهوة، لا فائدة ترجى منه في سياق الرواية، أو لا جدوى منه في احتياج المشهد..

 

ـ أيضاً صدور الرواية بشكل ورقي شيء يدعوا للحذر والخطر؛ لأنه نشر لقصص الجنس بشكل علني وصريح، ودعوة لكل الفئات العمرية لقراءتها، وتيسير لصدور قصص وروايات جنسية لنشرها بين الجمهور.. مع أن ذلك كان محذور وغير لائق ودنيء فيما مضى من الزمان بالنسبة للكتاب وللناشرين وللقراء، والذي يفعل كان يستخفي عند نشرها أو عند قراءتها..

 

ـ أيضاً هناك روايات وقصص جنسية محترفة في الكتابة على منتديات خبيثة تنشر هذه الأعمال، الرواية دعوة صريحة لنشر مثل تلك الأعمال على الملأ بدون توجس أو حياء باسم الإبداع والأدب.. وكم هي بعيدة عنهما، وكم هي قريبة من السفالة والحقارة والابتداع الآثم والانحلال والفساد وشيوع الفواحش وتداعي الغرائز..

إذ أنها نشر لثقافة الجنس، وملذة الجسد وغرائزه..

 

 

في لحم الرواية..

 

لا أعرف ما مناسبة أن تكون عمارة يعقوبيان كتلة من الجنس، إذ أن كل شخصية فيها مارست الجنس، حتى عندما تحدث الراوي عن الملتزم أتى بمشاهد جنسية متعددة بينه وبين زوجته، وأقحمها إقحاماً في سياق الرواية أو عرضها في مسار الشخصية..

وهذا يدعونا لسؤال مهم:

هل هي طرح لمشكلة الجنس المستشرية في مصر؟..

الإجابة.. حتى لو كانت كذلك، فما هي مناسبة الجنس الشاذ في مصر.. ولعل هذا المشهد في صفحة 252، 253  يُجيب على سؤالي:

(( كان هناك مرة صحفي كسول وفاشل فمنحه حاتم عدة تقارير سيئة تمهيداً لنقله نهائياً من الجريدة، وعرف الصحفي بنية رئيس التحرير فقرر أن ينتقم واستغل وجود الصحفيين جميعاً في اجتماع التحرير الأسبوعي وطلب الكلمة فلما أذن له حاتم بادره قائلاً بنبرة ساخرة:

ـ أريد أن أعرض عل سيادتك فكرة تحقيق صحفي عن ظاهرة الشذوذ الجنسي في مصر..

ساد صمت متوتر بين الحاضرين ولم يخفِ المُحرر ابتسامته إمعاناً في إهانة حاتم الذي سكت وأطرق ومسح بيده على شعره الناعم، ثم رجع بظهره في المقعد وقال بهدوء:

ـ لا أظن هذا الموضوع يهم القراء..

ـ بل يهمهم جداً لأن تزايداً كبيراً في عدد الشواذ وبعضهم يحتل الآن مناصب قيادية في البلد والدراسات العلمية تؤكد أن الشاذ لا يصلح نفسياً لقيادة العمل في أية مؤسسة نتيجة للتشوهات النفسية التي يسببها الشذوذ الجنسي..

كان الهجوم قاسياً وكاسحاً، وقرر حاتم أن يرد بعنف فقال بثبات:

ـ تفكيرك التقليدي أحد أسباب فشلك الصحفي..

ــ وهل صار الشذوذ سلوكاً تقدمياً.. ؟!

ـ ولا هو أيضاً المشكلة القومية في بلادنا.. يا أستاذ يا متعلم مصر لم تتخلف بسبب الشذوذ الجنسي بل بسبب الفساد والديكتاتورية والظلم الاجتماعي.. كما أن التلصص على حياة الناس الخاصة سلوك مبتذل لا يليق بجريدة عريقة مثل لوكير..))

الكلام حاسم وقاطع.. وكأن كلام حاتم هو الصحيح وهو ما نخرج به من الرواية.. ولكن هذا يُناقض الرواية نفسها التي تتعرض بالفعل لحياة أحد الشواذ في مصر، وهُم قِلة، ولا يُعتد بهم أو التشهير بهم، أو تقصي قصصهم وإذاعتها على كل الناس..

 فهو قليل لا يستدعي الإلتفات له؛ لأنه أحقر من أن يُعلن عنه، ويُناقش في الرواية على كل ذي سن، والنتيجة من ورائها ربما تكون إيجابية، ولكني أرى أن أغلب نتائجها سلبية؛ لأنها نقلت عالم الشواذ حرفياً، ودللت على أماكنه وألفاظه ومسمياته وشفراته وإشاراته الخاصة بينهم، ومشاعره وأحاسيسه، وذلك بين صفحتي 52 و54.. ويستمر بعد ذلك في عرض شخصية حاتم الرشيدي الشاذ في الرواية، ويحكي عن قصته عن الشذوذ في مشاهد مُقبضة شاذة، أجبرت القارئ على الاندماج في حياة الشواذ، والانصياع لكلمات الإثارة المثلية.. إنني أُصنفها إعلان ثقافي.. قد تصل لقارئ يبحث عن الإثارة، وقد وجد كل أنواعها في الرواية.. فيضل ضلالاً بعيدا..

فلا يستطيع أحد أن ينكر تواجد الألفاظ المثيرة للشهوة سواء الجنسية الطبيعية الحرام كالزنا، أو وصف العلاقة المثلية الشاذة الحرام، والمبالغة في الوصف..

كل تلك المشاهد وهذا الوصف يُجبر القارئ الضعيف على التعايش مع الحالة التي أمامه حتى لو كانت تتناقض مع فطرته الطبيعية، وربما تشتاق نفسه لممارستها والعياذ بالله..

ولا يساورني الشك في أن الكاتب عند كتابتها كان يلتهب شهوة مما يصفه من العلاقات الجنسية الحرام، التي تكررت عدة مرات على مدى الرواية..

والذي يدهشني هو قدرة الكاتب على كتابة مثل تلك المشاهد المثيرة بمثل هذه الحنكة والمهارة والاقتدار التي تتلاعب بغريزة القارئ كما تشاء..

ولا أظن أن الكاتب حينما كان يكتب كان خافياً عليه أن هناك أعمال قصصية مكتوبة متخصصة في الجنس، والجنس فحسب، في كل أنواع الجنس الزنا والمحارم والمثلي والحيواني…

بل لا ينازعني الشك أنه أحد كُتاب مثل هذه النوعية أساساً؛ بدليل أن نفس الأسلوب يشترك به معهم، فأسلوبه يشبه لحدٍ كبير أسلوب تلك المنشورة بغزارة على منتديات متخصصة فيها، تدعي الشمولية، وأن الجنس جزء أساسي من هذه الشمولية، ولا أرى غير أن هذه دعوة خبيثة ماكرة يُراد بها باطل..

 

السلبيات التي تتخلل الرواية كثيرة ومركزة، ولولا ما ساقه الكاتب من مشاهد تاريخية شخصية موجزة، وتلك السياسية الهشة التي تساق ضمن مشهد يجمع عربيد زير نساء ومومس على سبيل التسلية وتجاذب أطراف الأحاديث لكانت الرواية عبارة عن قصص جنسية بحتة..

والحقيقة أنني لم أرى شخصية سوية في الرواية نهائياً..

ــ ذكي الدسوقي: زير النساء، الخبير في الجنس، وشئون النساء الخاصة وشديدة الخصوصية، الذي تتمحور كل حياته حول كلمة واحدة هي ( المرأة ).

ــ الفراش أبسخرون: خادم ذكي الدسوقي منذ عشرين عاماً، خبيث، ويختفي وراء أطماعه، ويستغل إعاقته في استجلاب عطف الناس حتى يحوز على أطماعه في مالهم، كما أنه اليد اليُمنى لذكي الدسوقي الذي يُهيئ له المكان لاستقبال نسائه، واستغلالهم جنسياً.. ولا أعرف لماذا يظهر بمظهر المتسولين الذين يبذلون جهدهم ويتجولون بين الشوارع لاستجداء الناس والتحايل عليهم بشتى السبل.. هكذا بدا لي بطريقة لبسه: جلبابه الكستور المُقلم المُتهرئ في أكثر من موضع، ووجهه العجوز بذقنه النابتة الشيباء، وبعكازه الخشبي الذي يُعوضه بتر إحدى ساقيه..

ــ ملاك شقيق أبسخرون: خياط يُجيد خياطة القماش، وحياكة الخطط التي تُمكنه من الاستيلاء على شقق سكان العمارة، وكأنه مُحتل يريد اغتصاب الأراضي حتى يُرضي حقده، ويسود في مجتمعه، ويرفع من شأن نفسه الوضيعة.. يفعل ذلك باعتيادية ومَضَاء، بدافع من تعاليم كأنها أُمليت عليه.. ويستغل

ــ طه الشاذلي: هذا الشاب الوحيد الذي انتصرت له وأعجبني مساره الروائي سواء في المشاهد التي واجهها مع سكان العمارة، ثم التي مر بها مع بثينة أو التي خاضها مع لجنة القبول في كلية الشرطة، أو في التزامه أو مع مُرشده، حتى وصلت لنصف الرواية، وبدأ يتبدل، ويتخذ منحىً فكري وديني منحرف ومُحرف بعد أن كان مُعتدلاً منطقياً وواقعياً، بل قل أن هذا حصل بغتة، ليس في مسار طه فقط، بل بمسار الشخصيات التي تسير بحذائه، والتي تدور في فلكه… ثم إذا وصلنا إلى الثلث الأخير من الرواية، وكأنه الوحيد الذي لم يقترف الزنا.. فعندما وصل للزواج في تلك المرحلة من الرواية، لم يفلت من تناول المؤلف له بوصف علاقته الخاصة جداً مع زوجته.. والمُفترض أن تكون علاقته هي الوحيدة الحلال في الرواية.. ولكنها لم تفلت من إقحامها قحماً في الرواية..

ــ بثينة محمد السيد: الفتاة المغلوبة على أمرها التي يتركها والدها هي ووالدتها وأختين غيرها وأخ صغير ماثلاً لأمر ربه فتنقطع صلته بالحياة.. وتضطر الابنة بكرة أبويها للعمل، فتجد أن كل مَن تعمل لديهم يريدون استغلالها جنسياً، ولم تجد بُد بعد أن تعبت في الحفاظ على شرفها من أن تُسلم جسدها لَمن تعمل لديهم بخط أحمر، وهذا بإيعاز من صاحبتها التي أقنعتها أن تتخلى عن شرف جسدها عدا حد صغير فيه، تُحافظ على عذريتها فيه، وعدم هتكه.. تتركهم يعبثون بجسدها ظاهرياً مُقابل عائد مادي، تعلمت كيف تُحافظ على نفسها (الخط الأحمر فقط) وعلى عملها وتستفيد منه أمام صاحب عمل يفتح سرواله على حد تعبير المؤلف، وبرغم كل ذلك تكون شريفة ومُحترمة وسعيدة، وعذراء !!.. وتتدرج في ذلك حتى تصل لزير النساء "ذكي الدسوقي" الذي يعطف عليها ويتعامل معها جنسياً !!!.. فيُحبها وتُحبه.. برغم أن أرضية تعاملهم معاً هو من أجل الجنس بدون علاقة شرعية، فهي تُسلم جسدها من أجل أن تحصل على المال، وهو يعطف عليها من أجل الجنس والأُنس.. وقد جزاها الله خيراً على صبرها وعدم تفريطها في الخط الأحمر، فلقد سلمت جسدها بمفاتنه كلها للرجال عدا الخط الأحمر الذي يهدد هتك شرفها من عدمه.. لقد حافظت عليه.. فجزاها الله خيراً بأن تزوجت من زير نساء، وهي الوحيدة مع ذكي الدسوقي التي انتهت القصة بالسعادة لهما.. زير نساء وعاهرة !!..

ــ الحاج محمد عزام: تاجر مخدرات، يبدوا كرجل أعمال شريف تقي له علاقة بشيخ مسجد مشهور، ولم تُنازعه الشهوة إلا في مرحلة متأخرة من حياته، ربما بعد أن جرت في يده النقود.. وأحس أن في إمكانه عمل أي شيء بها، فتزوج في الخفاء.. وشعرت أنه كرجل عادي يزاول حياته الطبيعية، وكأنه لا يرتكب جرائم حين يُتاجر في المخدرات.. حتى أنني حسبت أن ما يتردد حول كونه تاجر مخدرات هو مجرد إشاعات.. والحاج عزام إذا قدمته يصلح عينة مثالية للفساد في مصر.. فهو تاجر مخدرات، ورجل أعمال مستغل، ونائب فاسد في المجلس، وأب أناني فضل أن يزوج نفسه قبل تزويج أولاده، ويستغل الدين لمصلحته الشخصية، ومُتملق للساسة..

ــ سعاد جابر.. زوجة الحاج محمد عزام الثانية.. قد تكون أقل الشخصيات فساداً، إلا أنها لا تخلوا من صفات ذميمة جارت على نفسها بسببها، وهي الطمع، وعدم الوفاء بالعهد.. والطمع هو الذي تسبب بأن تتزوج شخص في سن والدها، لا تجد معه اللذة الجنسية، ولا الإحساس بأسرة.. تزوجته من أجل المال فقط.. وهو الشيء الذي جعلها تتغاضى من أين اكتسبه زوجها.. حتى لو كان اكتسبه من تجارة المخدرات.. فنحن أمام شخصية أنانية أيضاً، تهتم بمصالحها، وتُحرك الدين في سبيل مصالحها.. فالتي تكشف حقيقة الفتوى القائلة بجواز إجهاض الطفل قبل نفخ الروح فيه وراء إجهاض حملها بالأخص هي هي نفسها التي تزوجت رجل مشبوه يعمل في تجارة المخدرات، دون أن تعبئ كثيراً بحقيقته..

ــ حاتم رشيد.. شاذ سلبي، "كوديانا" في عُرف الشواذ جنسياً.. وما أسوئه من لقب يتصف به.. ومع ذلك فإن عمله أمام الناس صحفي معروف ورئيس جريدة لوكير التي تصدر باللغة الفرنسية في القاهرة.. والدته فرنسية، ووالده قانوني شهير وعميد كلية الحقوق في الخمسينات يعيش بكل مقاييس المعيشة الأوروبية.. والابن حاتم مُزعزع الانتماء، لا إلى مصريته ولا إلى أوروبيته ينتمي.. أكثر قضية تشغله كيف يقضي وطره الجنسي الشاذ بانتظام وباستقرار.. وهو مع ذلك شاذ مُحافظ. والذي  .. والغريب أنه مع تعدد عشاقه الآثمين التي تكلم عنها المؤلف، لم يذكر أياً من سلبيات العمليات الجنسية الشاذة في جسده.. فمن المعلوم أن لهذه الممارسة الشاذة آثار سلبية ضارة بالجسد، طبياً وعضوياً، على الأقل في الشاذ السلبي… وهذا في رأيي دعوة مريبة أن الحياة الشاذة لا مضرة منها طبياً ولا جسدياً..

ــ عبد ربه.. صعيدي جاهل، كان مُجنداً في الأمن المركزي.. يستسلم لإغراءات حاتم رشيد بالمال وبمكانته في الصحافة التي تساعده في تسهيل الأمور لمُستعمِله.. يتعرض عبده لنكئ ضميره كثيراً، ولكنه دائماً يرضخ لإغراءات حاتم بالمال والإمكانيات، ويجد صعوبة في مُقاومته، حتى أن مشاعره تتبدل ناحية زوجته، فلا يستطيع أن يطأها كما أحل الله عز وجل له..

ــ كمال الفولي.. واضح جداً أنه تلميح لأحد الشخصيات البارزة في الحزب القومي.. الذين استطاع بالنفاق والكذب والدسائس الحفاظ على مقعده في البرلمان لأكثر من ثلاثين عاماً متصلة على حد وصف المؤلف.. وهو وجه وعين الفساد والنفاق السياسي في الرواية..

ــ الشيخ شاكر.. شخص متناقض.. في البدء كان يملك العقل والحصافة والدين بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم انقلب كأنه يملك شخصية مزدوجة.. أو كأنه شخص آخر يشبهه، تولى بقية أحداث القصة بديلاً عن الممثل الأول في نصف الرواية..

 

لم تلتقط إلا الشخصيات الفاسدة نفسياً أو دينياً أو سياسياً أو جنسياً، وهذه هي السائدة، وكأنها التقطت بشكل متعمد، بدليل وحدة الموضوع الشائع بينهم والذي يجمعهم، وهو الجنس..

ومن الغريب أن تخلوا الرواية من شخص سوي.. فالحياة تجمع الأسوياء والسيئين، واستحالة تجمع الفاسدين فقط أو العكس فحسب.. هذا إذا كنا نرنو للواقعية..

حتى المَثل الذي كنت أعتقد أنه عبر عنه بإنصاف، وكدت أنبهر من فرط رجاحته وكماله، حتى إذا وصلت لنصف الرواية وجدت أن المثل انقلب على عقبيه تماماً.. وكأنه لا يريد أن يدع مجالاً للصلاح إلى آخر الرواية..

وربما يكون هذا المثل السلبي للشخصية المتدينة (الوحيدة) نتيجة قاهرة للظلم والانتهاك والتعذيب.. ولكن هذا ليس قياساً على كل مَن أصابهم هذا الابتلاء، فأكثرهم قد خرج وكله إيمان وصبر واحتساب عند الله عز وجل..

لماذا لم يأتي بهذه الأمثلة التي تجعلنا نعرف الحقيقة، وتمنحنا القدوة والتفاؤل، وتُعرفنا على أبطال حقيقيين عُرفوا بالجسارة والحكمة والصواب…

كما أني أجد هذا الجهل العارم الذي ينتهجه الكتاب (العلمانيين، أو الليبراليين على حد واجهة المؤلف) بوصف الملتزم موجوداً في الرواية، وبالأخص الذين ينتمون للإخوان المسلمون.. حيث يصفونهم بأنهم عدوانيين ومتشددين وبلحى طويلة، وبجلابيب بيضاء قصيرة…

المؤلف وقع أيضاً في هذا التشويه المُغالط حيث قال في صفحة 130:

(( قبل أذان الجمعة بساعتين كاملتين، امتلئ مسجد أنس بن مالك عن آخره بالمصلين، كانوا جميعاً من الطلبة الإسلاميين، بعضهم يرتدي الملابس الإفرنجية ومعظمهم بالزي الباكستاني: الجلباب أبيض أو أزرق يصل إلى أسفل الركبة وتحته بنطلون من نفس اللون وعلى الرأس عمامة بيضاء يتدلى طرفها عند مؤخرة الرقبة ))

وكذلك عندما وصف ملبس أمير جماعتهم في صفحة 131:

(( وهو يرتدي زياً إسلامياً مثل الطلبة يعلوه إزار أسود ))

كل هذه الأوصاف في الواقع لا تنطبق على أوصاف الإخوان المسلمون.. بل يتصف بها جماعة السلفية، أو الجهاد، أو جماعة أنصار السنة…

ومن طبيعة جماعة الإخوان أنهم مندمجين مع المجتمع ومتغلغلين فيهم، ويحاولون برفق وتدريج أن يربوا المجتمع من الداخل، أكثر من مناطحة السلطة، وأكثرهم لا تستطيع أن تُفرقهم عن شكل الناس العادية، في حلاقة اللحية، والملابس.. لأنهم يؤمنون أن التغيير سيأتي من أسفل لأعلى، وليس العكس.. من شريحة الشعب العريضة، إلى أعلى قمة الهرم وهي السلطة والحكم.. لذلك من شيمة هذا الملبس المذكور أن يصنع فجوة بين الناس، ومما يقرب الناس إلى الإخوان أنهم لا يفرقون عنهم لا في ملبس، ولا في إطلاق لحى..

كما أنهم يتصفون بالحكمة، وعدم الدخول في صراعات مع السلطة.. وهذا واقعي فعلاً.. غير أن السلطة تضطهدهم وتُضيق عليهم، بل وتحذرهم.. لأنها تخاف من أن يحل المشروع الإسلامي بين الناس، مما يُهدد من مصالحها وكراسيها وسلطتهم من الزوال..

ففي رأيي أنه لم يستطع أن يُنصف الجماعة، بل وضعها موضع تقليدي مُحرف، وأعتقد أنه بذلك شارك السلطة في تشويه سُمعة الإخوان، وتحريف الحقائق لدى الناس.. وهذا فعلاً ما أجده.. من يومين سألني أحد الأشخاص في محل عملي عن الفرق بين السلفية والإخوان.. وعندما ذكرت له الفرق.. اندهش للغاية، وقال وهو في قمة اندهاشه أنه كان يعتقد أن الإخوان هُم المتشددون والذي يطلقون لحاهم، ولا يلبسون إلا الجلابيب البيض.. قال لي أنه كان يعتقد العكس..

وهذا يدل على أن هذه الثقافة المُحرفة قد التقمها الناس، وتشبعوا بها..

فلقد ثبت الكاتب تلك النظرة المخلخلة في فكر الناس ومعتقدهم..

وإنني لأتساءل هل يرضى الكاتب أن يُعبر عن أشخاص ينتمون لجماعة لا ينطبق وصفهم في الرواية على الواقع.. هل تلك هي الواقعية، والرصد القصصي والروائي الصادق ؟..

وإن كنت أعتقد أن المؤلف لا يقصد إخوان مسلمون ولا سلفية..

 

كما شعرت أن هناك بعض المُتناقضات في الرواية، منها أثناء مشهد خُطبة الجمعة في صفحة 136:

(( اشتد انفعال الطلاب ونهض أحدهم من الصف الأمامي، واستدار ناحية الحشد وهتف بصوت متقطع من فرط الحماس "إسلامية إسلامية.. لا شرقية ولا غربية.." ورددت الهتاف وراءه مئات الحناجر، ثم أخذ الطلاب جميعاً ينشدون نشيد الجهاد بصوت واحد قوي هادر كالرعد، ولعلعت عشرات الزغاريد من مقصورة الطالبات، وعلا صوت الشيخ شاكر، وقد بلغ حماسه المدى: ".. والله إني أرى هذا المكان طاهراً مباركاً تحف به الملائكة… ))

المشهد عجيب، ولم يسبق أن سمعت عن فِعل كهذا أثناء خُطبة جمعة !!..

ينفعل الناس أثناء الخطبة، وفي المسجد.. أهي مظاهرة أم خُطبة ؟!!..

والذي قيل كوم، ولعلعة النساء بالزغاريد بصوتهم الأنثوي أثناء الخطبة، وفي المسجد كوم آخر !!..

ألا يُحرم المتدينين الزغاريد، ناهيك عن صوت المرأة بأنه عورة ؟!!..

أعتقد أن هذه مبالغة مُضحكة، وتناقض مُذهل، وثغرة لا يُستهان بها في الرواية..

 

وجدت أيضاً بعض المفاهيم المُغالطة، والتي تسرب للناس حقائق واهية ليس لها منطق صحيح نابع من رسالة الإسلام الرحيمة، مثل ما تعرضت له في صفحة 161 و162 عندما كان يتحدث عن "طه الشاذلي":

(( وهو الآن يُدرب نفسه على أن يُحب الناس ويكرههم في الله، تعلم من الشيخ أن البشر أحقر وأهون من أن نحبهم ونكرههم من أجل صفاتهم الدنيوية، بل يجب أن تتحدد مشاعرنا ناحيتهم وِفقاً لالتزامهم بشرع الله، وهكذا تغيرت نظرته إلى أشياء كثيرة: كان يحب بعض السكان لأنهم طيبون معه ويجزلون له العطاء فصار يكرههم في الله لأنهم تاركون للصلاة وبعضهم شارب خمر، وأصبح يحب إخوانه في الجماعة الإسلامية لدرجة أن يفتديهم بحياته.. انهارت كل مقاييسه الدنيوية القديمة كما يسقط بناء قديم متصدع، وحَل محلها تقييم إسلامي صحيح للناس والأشياء.. ))

الاسلام ليس مبني على الكره بأي حال من الأحوال.. الإسلام مبني على الحب، والتسامح والرحمة.. الرحمة للعالمين.. إنما الكُره ليس مُوجهاً للناس.. بل هو مُوجهاً للكفر والفسوق والعصيان.. بصفتي مسلم حقيقي فحبي ورحمتي واسعتين تشمل العُصاة والكُفار والفُساق.. مثلما حدث مع الرسول صلى الله عليه وسلم.. فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان اشد من يوم أحد ؟. قال: " لقد لقيتُ من قومكِ وكان أشدَّ ما لقيتُه منهم يوم العقبة إذ عرضتُ نفسي على ابن عَبَدِ ياليلَ بنِ عبدِ كُلالٍ فلم يُجبني إلى ما أردتُ فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعتُ رأسي وإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليه السلام فناداني، فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملكَ الجبال لتأمُرَه بما شئتَ فيهم !، فناداني ملك الجبال , فسلم علي , ثم قال: يا محمد, إن الله قد سمع قول قومك لك, وأنا ملَك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك, فما شئتَ ؟ إن شئت أطْبَقْتُ عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم مَنْ يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئا " متفق عليه. الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة. والأخشب: هو الجبل الغليظ.

وهذا من شفقة نبي الإسلام، ورحمته بالعالمين: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ{107}[الأنبياء]

كان النبي يُعامل الناس جميعاً النصارى واليهود.. ولم يكن يكره أحداً بل كان مُشفقاً على الجميع من الكُفر والعصيان الذي سيوردهم الجحيم، ويتمنى لو يكون سبباً في هُداهم؛ حتى يُنقذ البشرية من الكفر والضلال..

لذلك ليس من الصائب وصف تقييم "طه" بأنه إسلامي صحيح للناس والأشياء.. لأنه هذا قد يُحرف معاني الإسلام بالنسبة للناس، ولن يفهموا المقصود من الوصف بأنه ( صحيح ).. قد يكون بالنسبة لـ "طه" (صحيح)، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك.. وهذا احترازاً من ربط نهاية "طه" الإرهابية والمتهورة بتقييمه الإسلامي الصحيح..

 

ولعل من التناقض المُضحك أن يتعلم "طه الشاذلي" أن يكره العُصاة والفاسقين في الله عز وجل، وفي ذات الوقت يقوم حوار قريب من هذا المقطع، بينه وبين الشيخ شاكر، فيقول الأخير:

(( الإسلام لا يُجيز إطلاقاً أن نشترك مع الكفار في قتل المسلمين مهما كانت الأسباب.. والأسانيد الشرعية لذلك يعرفها أي تلميذ في سنة أُولى شريعة.. ))

 يقول ذلك، وقد قاما سوياً في النهاية بعكس ما أقروه.. تناقض كلام الشيخ شاكر مع فعله في منتصف أو نهاية الرواية، وكذلك ما قام به "طه الشاذلي" من سفك دم شخص مسلم فاسق.. كرهه لِما فعله به في السجن..

عندما يخرج "طه الشاذلي" من السجن، وقد كان ملتزماً تمشي مبادئه مع المبادئ الصحيحة للإسلام، يتغير تماماً وينقض مبادئه، قد نُقر ذلك بسبب ما حدث له في السجن، فهو قد تأثر نفسياً، ولكن أن ينقض الشيخ شاكر نفسه، ويرد على "طه" بمبادئ سليمة، ثم في لحظة تالية لا تبعد كثيراً عن سابقتها، تجده ينقض كل كلامه رأساً على عقب، نجد هذا في المشهد، مثالاً رائقاً راقياً على الفهم الصحيح، في صفحة 237،238:

((ـ أنصحك يا ولدي أن تُلقي بهذه التجربة الأليمة وراء ظهرك.. أعرف أن ما أطلبه صعب لكنه التصرف الوحيد الصحيح في حالتك.. إن ما جرى لك في المعتقل ليس أمراً خاصاً بك.. لكنه مصير كل مَن يُجاهر بالحق في بلدنا المنكوب والمسئولون ليسوا بضعة ضباط لكنه النظام بأسره وليس إلى أشخاص بعينهم.. قال تعالى في كتابه الكريم "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" صدق الله العظيم.. لقد حُورب المصطفى صلى الله عليه وسلم في مكة وأُهين واشتد به الأذى حتى شكا لربه قلة حيلته وهوانه على الناس، لكنه مع ذلك لم يعتبر جهاده ثأراً شخصياً من الكفار بل انصرف همه إلى نشر الدعوة،وفي النهاية عندما انتصر دين الله عفا الرسول عن الكفار جميعاً وأعتقهم.. هذا الدرس يجب أن تتعلمه وتعمل به

ــ كان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضل خلقه، وأنا لستُ نبياً، لا أستطيع أن أنسى ما فعله المجرمون، إن ما حدث لي يُطاردني في كل لحظة. أنا عاجز عن النوم، لم أذهب على الجامعة منذ خروجي، ولا أظنني سأذهب.. أقضي اليوم كله في حجرتي لا أكلم أحداً ويُخيل إليّ أحياناً أنني سأفقد عقلي.

ــ لا تستسلم يا طه، لقد اعتقل آلاف من الشباب الإسلامي وتعرضوا لتعذيب بشع لكنهم خرجوا من المعتقل أكثر تصميماً على مقاومة الظلم، إن الهدف الحقيقي للنظام من تعذيب الإسلاميين ليس مجرد إيلامهم جسدياً ولكن المطلوب تدميرهم نفسياً حتى يفقدوا قدرتهم على الجهاد.. ولو أنك استسلمت للحزن تكون حققت لهؤلاء الكفرة أهدافهم.. ))

هذا كلام الشيخ شاكر، يبدوا كلاماً مُتزناً وصائباً ويقول به كل حكيم، يقول به كل معلم خبير، وليس متهور يشد تلاميذه للهاوية.. بعد قليل سينقلب كل هذا الكلام وسينقضه في لحظة بدون أي مثير أو سبب..

وفي الحوار السابق لمحات ومغالطات مرتبطة بما سيحدث في المستقبل في أحداث الرواية.. يرد طه بأنه ليس نبي.. برغم أن الشيخ قال له أن النبي قدوة وأسوة حسنة لنا.. وعندما ينقض كلامه ويتحول لمبدأ القتل وسفك الدماء، كأنه يقول أننا لسنا أنبياء، ينزع لهذا القول السلبي الذي يردده غير الملتزمين عندما يستصعبوا فعلاً ما في الدين من الحكمة والصواب، ويتذرعوا بأنهم ليسوا سيدنا محمد.. برغم أن النبي جاء معلماً وموجهاً لنتعلم من مواقفه وسيرته.. ولو لم يكن النبي قدوة لما كان تعرض للضرب والشتيمة والابتلاءات وإصابات الحروب ولا للموت حتى.. ولكنه كان قدوة لنا في كل أمور حياتنا.. هو بشر بكل معاني البشرية، ونحن بشر بكل معاني البشرية..

لقد كان كلام الشيخ شاكر في هذا المقطع هو الواقعية الحقيقية السارية في الواقع.. لقد انتهت حياة هؤلاء الثلة الفاسدة بيد الله وحده، اعتماداً على هذه المبادئ.. كما حصل من قبل مع الذين عفا عنهم رسول الله.. منهم مَن تاب وأصلح، ومنهم مَن كن الضغينة والحقد، وأظهره الله على حقيقته، وانتقم الله منه في النهاية بيده العلية.. وكفى الله المؤمنين شر القتال..

وأنا أتصور تصور طريف.. ماذا لو اقتنع طه بكلام الشيخ شاكر، وعندما صارحه الأخير بأنه كان يختبره وأنه اصطفاه ليكون مع جيش سري في أحد الأماكن البعيدة لمحاربة الكفار في من الناس في البلد.. ماذا كان سيفعل الشيخ شاكر لو رفض "طه" فكرته الثانية بناءاً على اقتناعه بكلامه الأول ؟..

إن الشيخ شاكر رجل متناقض وربما يكون مُنافق.. واعتمد على رغبة "طه" في الانتقام، وليس شيئاً آخر.. لو كان "طه " في موقف آخر أفضل، لكان رفض انعزاله مع الجيش السري في منطقة بعيدة لسفك دماء الناس حتى لو كانوا ظالمين..

وفي رأيي أن هذا المسار الروائي تعرض للالتواء بشكل يصعب فهمه واستيعابه.. لأن الذي يقول كلاماً بهذا المعنى فيه من الحكمة وحُسن الرأي يصعب أن يفعل ضده في موقف تالي.. سيصعب الأمر على القُراء إلا من أُولي العقول الفذة، وهُم قليل..

وأعتقد أن المؤلف حاول أن يدمج مزيجاً معيناً ليطرق قضيتين.. ولكنه فشل.. وتحول الأمر إلى تناقض في أحداث الرواية وفي مسارها.. وكأنني أُشاهد فيلماً مُركباً فقط من مشاهد غير مترابطة المنطق.. وتنعدم فيها الحبكة..

يأتي الأمر مُرادفاً ومتوافقاً مع قضية العراق، وهُم أنفسهم اللذين يدعون لعدم تدخل أمريكاً ولا المصريين لقتال النظام الحاكم، وتحرير الكويت بقتل إخوانهم العراقيين.. وهنا تستغرب الأمر هل ثلة الشيخ شاكر تدعوا لوقف قتال المسلمين العراقيين، أم تُحبذ ذلك بما أنها أيضاً ستفعل ذلك في النهاية وتقتل المسلمين الذين اعتقلوهم ؟!!!..

لو حكمنا بهذا المنطق الأخير فإن المسلمين العراقيين كفرة يستحقون القتل وكذلك النظام العراقي الحاكم لديهم، ولكنهم يدعون لعدم قتالهم، حتى أنهم اعتقلوا من أجل هذه الدعوة..

ولو حكمنا بأنهم يرفضون قتال المسلمين العراقيين، فلماذا ينقضون ذلك بقتالهم للنظام الحاكم في مصر..

 

وأيضاً تناقض مع فعلهما في مصر في نهاية الرواية.. ومع ما اعترضوا عليه من إفتاء أكبر علماء الأزهر تأكيده أن موقف الحكومة المصرية صحيح شرعاً زاعماً أن الإسلام يقر التحالف مع أمريكا لضرب العراق !!..

ساعتها انفعل الشيخ شاكر، ووصف مشايخ الأزهر منافقون وفاسقون، وفقهاء السلاطين، وذنبهم عند الله عظيم !!..

أليس هذا الوصف نفسه ينطبق عليه في نهاية الرواية ؟!!..

أليس هذا تناقضاً واضحاً ؟!..

تناقض أيضاً مع أنهم يتهمون المجتمع المصري بالكفر، ويجردوهم من الإسلام، ويكرهونهم في الله، ومستعدين لقتل سفهائهم وفساقهم .. ثم هُم يعترضون على قتل المسلمين في العراق، وهُم لا يختلفون عن المجتمع المصري في الجهل والبُعد عن الدين.. يُدافعون عن الناس في العراق في الوقت الذي يكونون مستعدين فيه لقتل الناس في مصر وهُم في الكُفر سواء على حد اعتقادهم !!.. أليس هذا تناقضاً ؟!..

التناقض رهيب بين الفعل السياسي، والالتزام الديني.. وكأن المؤلف اقتطع الجزء السياسي ن جماعة، والجزء الديني من جماعة أُخرى يتباينون تماماً، ويتناقضون في آن..

لأن الفرق واضح.. فالملتزمون دينياً منعزلون، ومتقوقعون، وهناك فجوة كبيرة بينهم وبين الناس.. وأصحاب الموقف السياسي منفتحون ومتغلغلون في الأُمة ومهتمون بقضايا الناس.. فشتان شتان..

 

كما شعرت أن أكثر المتناقضات بسبب المسار الجنسي المُبالغ فيه في أجزاء الرواية.. منها هذا الذي يتحدث فيه المؤلف على لسان ذكي الدسوقي أكثر الشخصيات دنساً وانحداراً وانغماساً في الآثام ووحل العفن والزنا، يتكلم عن السياسة، والماضي النظيف والمحترم والرغد، الذي كان النساء فيه شبه عاريات وفي أحضان الرجال، والخمور على الموائد أمامهم…

وهذا يؤشر لشيء مهم.. أنه لا فائدة من أحداث الرواية ترجى، سوى إظهار بعض الممارسات الشاذة في أمن الدولة، وطريقة الابتذاذ التي يفعلها النظام مع أُولي السطوة والمال.. ويؤشر إلى أنه يمكن للعربيد والمومس أن يتزوجا في النهاية رغم ماضيهم القذر، ويسعدا ويبتهجا، ولا ينالهما عقاب على معاصيهم الغابرة، هذا لو طبقنا نظرية "عبد ربه" بعلاقته بالشاذ في عقاب الله له بسبب اللواط.. أم أن الكاتب يعتبر أن الزنا أقل ذنباً من العلاقة المثلية ؟!.. وهذا ليس رأي الشرع أو رأي الناس الفطري أو العرفي أو العقلي أو المنطقي.. فالكل في الجرم سواء، فالعلاقتان كبيرتان تستوجبان العقاب الدنيوي قبل الأخروي..

 

وجدت أيضاً أن الرواية تنتهج نهج معين بنسب مُتفاوتة تبدأ من الجنس نزولاً، باعتبار أن مشاهده أكثر أحداث الرواية، ثم المال، ثم السياسة ثم الدين..

وكأن هذا هو الواقع في الحياة.. مع أن ذلك قِمة الخطأ.. فاهتمام الناس في الواقع يبدوا عكس نهج الرواية تماماً.. إذ يبدأ بالدين ثم بالسياسة، ثم بالمال، بالجنس.. فالجنس آخر الاهتمامات في المجتمع المصري..

ولكني شعرت في الرواية أن الكل فاسد، والكل آثم، ولا خير في العالم أبداً..

ربما هناك بعض المشاهد المهمة جداً في الرواية، والتي أعتقد أنها ربما تكون هي الداعي من وِجهة نظر المؤلف إلى التمويه عنها بمشاهد الجنس الغزيرة في الرواية.. ولكن بالطبع الغاية لا تُبرر الوسيلة، وهذا يدل على عدم عبقرية الكا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محاولة لفهم شخصيتي من كل جوانبها.. 1ـ كذب العرافون ولو صدقوا..

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 14 ديسمبر 2009 الساعة: 04:27 ص

محاولة لفهم شخصيتي من كل جوانبها

 

1ـ كذب العرافون ولو صدقوا..

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحب المفقود.. والمغتربة..

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 14 يوليو 2008 الساعة: 23:31 م

 d8b1d988d8a7d98ad8a9-d8a7d984d8add8a8-d8a7d984d985d981d982d988d8af-d988d8a7d984d985d98fd8bad8aad8b1d8a8d8a9-d980-d8aad8a3d984d98ad981

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل من الممكن أن يعيش إنساناً مع مجموعة من الأصحاب ذكراناً وإناثاً على جزيرة نائية بعيداً عن كل الن..

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 3 مايو 2008 الساعة: 23:52 م

هل من الممكن أن يعيش إنساناً مع مجموعة من الأصحاب ذكراناً وإناثاً على جزيرة نائية بعيداً عن كل الناس ويريدون هجر عالمهم الفاسد من حولهم ؟ ..

 

هل ممكن .. لا أعتقد بهذا ..
من نواحي كثيرة وزوايا خفية لا يمكن ..
إن هذا سلبية مقيتة ..
إنه انحراف عن الفطرة الربانية التي خلقها الله في البشر جميعهم ..
لا يمكنهم كلهم الراحة ولا الاستقرار في هذا الحال دائما .. النفس البشرية تواقة للتغيير حتى لو ربط صاحبها في مكان واحد به متع الحياة وزينتها البراقة .. لا يهنئ أبداً بالراحة الطويلة واللذة المستمرة .. لا بد أن يمل ويسأم .. ويبحث عن تغيير حتى لو كان هذا التغيير فيه حتفه ..
التعب والوصب إحساس به تكتمل الراحة الحقيقية .. ؛ لأنه لا راحة ولا سكينة بدون مشقة وكلالة .. هذا ناموس رباني وضعه إلاهنا ليناسب حياتنا ومهمتنا في الأرض .. وإلا كل هذه الحياة ما هي إلا عبث .. والعبث مستحيل ، بل هو معدوم من الذات الألوهية ..
ومن هنا فإن السلبية لا ينبغي أن تكون في البشر مع أنها موجودة بالفعل في النفوس البشرية كاختبار وكقانون من ضمن قوانين الله وحكمته في الخلق ..
فالحياة هذه نظام رباني معقد لا يمكننا تصور تعقيده .. فنحن محدودي التجاوز .. وكل شيء في هذا الكون له منطقية معينة تتطابق وتترابط مع أشياء أُخرى ذات منطقية معينة .. ونحن من ضمن هذه المنطقية ..
ولكن من ضمن هذه المنطقية ابتلاءات منطقية تترابط هي الأُخرى مع منطقيات أخرى تُضفي المعنى الحقيقي لهذه الحياة ..
وهذه منطقية الحياة .. أن تكون قاصرة .. وبشيء من العزم والقوة نحقق مهمتنا التي خلقنا من أجلها .. الخلافة على الأرض ..
لو كان البشر كاملين لأنجزوا مهمتهم بسهولة .. ولكنهم ساعتها سيكونون كالملائكة في طبيعتهم ، ولن تكون هناك عبادة من نوع آخر .. ستكون عبادة تشبه عبادة الملائكة .. والله عز وجل يريد أن يخلق عبادة جديدة من نوع آخر لها مواصفات أخرى .. هذا الخلق الذي أراد الله تعالى خلقه .. هذا الخلق هو نحن .. هو يؤدي نوع من العبادة من نوع آخر ..
العبادة ليست بشكل واحد أو بصورة معينة مفردة .. إن هذا يجعلنا نسقط ساجدين لله وحده المبدع الحكيم الخلاق ..
الملائكة رغم أنهم يملكون عقلاً عابداً لله .. إلا أنهم كان فهمهم قاصر .. فما هم إلا خلق محدودي التجاوز هم الآخرين .. أدركوا واعتقدوا أن العبادة هي نوع واحد .. ولكنها ليست كذلك ..
ولذلك فإن الله قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون .. سبحانك يا الله .. وأثبت الله لهم أن هناك نوع آخر من العبادة .. وكان قمة الإعجاز بالفعل أن يُخرج بشراً فيه عنصرين يتناسبان لمهمته في العبادة ..
أن يملك الإنسان عقلاً سوياً قادراً لأداء مهمته ولكن بدون قوة لتنفيذها ..
ويأتي العنصر الآخر .. جسداً

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الاختيار..

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 3 مايو 2008 الساعة: 23:21 م

( الاختيار )

 
في أيهما تفضل أن تعيش ؟ ..
ــ في عالم الخيال الممتع اللذيذ ، وكل ما تريده ستجده .. لكنك لن تناله ..
 
أم ..
ــ في واقع مرير أليم ، وكل ما تريده لن تحصل عليه .. لكنك ستنال ما لا تريده ..
 
هيا قل لي ؟ .. إن الساعة تدق !! .. تاك تاك تاك …
 
حلق عالياً كطائر رشيق حُر ..
أو اجثوا على ركبتيك .. العق التراب .. احفر الأرض .. لتدفن نفسك فيها ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العالم المناسب

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 3 مايو 2008 الساعة: 23:19 م

( العالم المناسب )

اختار أحد الأشخاص الوحدة ، وشعار ( بعيد عن الناس ) ..
وجد لذة وحرية ..
والأهم وجد نفسه ..
إلا أن طبيعة النفس البشرية وفطرتها أنها اجتماعية تعيش قريبة من الناس ..
ولكنه رفض أن يخضع لها ..
أجبرها على الانصياع لرغباته التي تحفظ كرامته ..
إنه يعلم معنى قُربه من الناس ماذا يعني ؟!! ..
سيعني أن يكون ضعيفاً ضئيلاً لا قيمة له ..
في حين أنه وحيداً يملك العالم بأسره وعوالم أخرى معه ..
سيكون عملاقاً يبلغ أعلى الجبال طولاً .. بل السماء ارتفاعاً …
سيكون أقوى من الرجل الخارق بذاته …
ستكون قيمته أن يُسطر ثمر وحدته ..
خيال رائع ..
حياة بديعة ممتعة ..
فضاءٌ ساحر ..
جمالٌ أخاذ ..
سيحكي مغامراته على الورق ، والورق كان صديقه الأثير والوحيد ..
سيحكي عن أعماق البحار ، وأعاجيبه التي يهتف لها القلب قبل اللسان بـ ( سبحان الله رب العرش العظيم ) ..
سيحكي عن خوضه أجواز الفضاء .. وأجرام السماوات ..
سيكتب عن مخل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خواطر خاصة بالامتحانات الصغيرة والكبيرة ..

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 6 أبريل 2008 الساعة: 12:06 م

خواطر خاصة بالامتحانات الصغيرة والكبيرة

 

أغلال جوانحي … أغلالي .. الأغلال …

 

مُضطر أن أُحيط فِكري وتأملي بغلاف سميك من الكُتب الإلزامية عتيقة المُحتوى والتجليد ، حتى لا يخرج عن نِطاق واحد .. معلوامات دراستي في هذه المرحلة التعليمية التي أشغلها ..

إنني الآن في وقت لا يحتاج لوهلة خارج هذه الحدود ..

تتوقف اللحظة عليَّ بكثير معلومات أنا في أشد الحاجة إليها في معمعة الامتحانات ..

تعودت أن أُطلق تفكيري وتأملي فيما حولي ، في الموجودات ، في العدم ، وفيما وراء العدم .. في الأشياء ، وفي اللا أشياء ..

إن هذا يُتيح لعقلي النماء والقُوة والخيال الذي لا أتكيف فيما سواه ..

إنني أعتقد أن مُستقبلي وحاضري هو ذاك ..

أن أُفكر وأُطلق عنان تأملي بلا قيود أو حدود ..

وأن أُدون قرائح وثمرات فكري وتأملاتي ؛ كي يقرأها الناس ، ويفهموني ، ويتفهموني .. وربما نثرت لهم فكرة رائعة يستفيدون منها للغاية .. تُحقق لهم الرضا والراحة والتقدم والمُساعدة ..

هذا ما أنا مُهيأ له ، وأعتقد أنني خُلقت من أجله .. وكلٌ مُيسرٌ لِمَا خُلق له ..

أعتقد أن الشيء الوحيد الذي أُجيده هو التفكير والتأمل والكتابة ، والصدح بصوتي ، والرسم بريشتي ..

فيما عدا ذلك فهي قُدرات ثانوية ضئيلة الاستطاعة ..

يا لخُسران مَن أغلق فِكره وعقله إلا من شيءٍ وحيد دون سواه ، يظل طوال حياته يُدندن عليه ، غير واثق من أهميته ، ويخسر مُتعة التفكر في غيره مما شَكله وهيئه الله عز وجل وجعل وَسيلة المعرفة به جزء من عبادته ، والمعرفة به جزء من أهميته للحياة ، وجزء من إبداع الله تعالى وجمال الكون ..

هذا الغُلاف السميك لا يكفي لصد تدفق شلال أفكاري ..

لقد تعودت أن أُطلق مشاعري المُحملة بشتى التأملات الفياضة ..

لماذا يُغلغلون حُرية عقولنا وإبداعها ، برغم أنهم يزعمون أننا ننال أفضل ما لديهم ؟!!!

هل هُم قانعون بزعمهم ؟! ..

وهل هُم مُحقون ؟! ..

ولِما كل الناس لهذا الزعم رافضون ؟! ..

وهل هُناك مَن يُقدم الأفضل حقاً بجودة عالية ونتيجة إيجابية مُذهلة تُحقق كل احتياجات العقول على جميع المُستويات ؟! ..

هل هناك مَن يُؤمنون بحرية العقل وقوته في النهم من أي فِكر شاء ، يستلهم فيه مُعتقداته وآراء شخصيته التي تُحقق له الذات التي ينسجم معها ، ويستطيع بها استثمار إمكاناته وقوة عقله فيما يملك من قُدرات يصنع بها الحضارة والتقدم المسئول عنها فيما يخص خِلافته كفرد على الأرض ؟ ..

يُمارس علينا حُكم استبدادي في كل شيء ..

يُمارِس الحُكام حكم استبدادي قهري على شُعوبهم ..

ويُمارِس الآباء والناس تحكم وعنجاهية وقهر على مَن هُم أضعف وأقل منهم شأناً ..

حتى عندما نُفكر .. لا نُفكر إلا فيما قرروه علينا وأتاحوه لنا ، وفيما عدا ذلك فتجاوزٌ للحد غير محمودة عاقبته ..

قِمة التناقض !! ..

هذا الشعب مُتناقض عجيب ..

يشتكون من الاستبداد والطُغيان ، وهُم أنفسهم يُمارسون التحكم والتجبر ..

لذلك ليس ما يُعانيه الشُعوب نُظم سياسية ، بل نزعة بشرية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

" قصة حب في شعبان "

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 6 أبريل 2008 الساعة: 02:27 ص

قصة حب في شعبان

 

سيرة ذاتية

 

 

كنتُ كلما جئت الفترة الصباحية في (السنترال) ، في هذا الوقت .. بعد صلاة الظهر بساعة تقريباً .. أنتظره كي يأتيني ويُجالسني جلسة ثمر من أمتع الجلسات وأحبها إلى نفسي ..

واليوم .. 9 نوفمبر عام 2006 ، تصادف أني كنت في الفترة الصباحية ، وكنتُ أتوقع أن يأتيني كعادته ..

كنتُ أنتظر قُدومه بشغف وشوق جارفين ، وأتخيل الأحاديث التي سنتكلم بشأنها ، وأُجهز في أسئلتي المُتلهفة التي تطمح إلى إجابات شافية ، ولكني ما كنتُ أشبع أبداً من إجاباته الدسمة والجامحة بزمام الحكمة ، والتي تأخذني في رحلات ، وتغوص بي في الأعماق ، وكنتُ بكل إجابة أخرج بأسئلة جديدة أكثر شغفاً ولهفاً لإجابتها ..

لقد أصبح (السنترال) من يومها كأنه حفل كريم أُعد له .. شمسٌ مُتألقة غزت جدرانه ، وعمت بسببه البهجة والحبور على أصحابه ، وعلى زائريه ومُرتاديه ، ولم يكن من سبيل إلى الوِحدة والملل والتعب ، بعدما كان هذا الثالوث هُم رِفاقي الوحيدين المُعتادان في (السنترال) ..

كانت الذكريات الجميلة تمر على باث ذاكرتي منذ التقيته أول مرة ، وتعرفت عليه ..

لقد اتخذ من (السنترال) مجلساً له يستأنس فيه برواده وزائريه ، بعد أن يقوم ببعض اتصالاته ..

لقد كان يعرف والدي وجدي معرفة وثيقة ، حيث كان والده معروفاً للجميع في المنطقة بطيبته وعرفانه مقروناً بتجارته في العلافة ، فقد تعدت شُهرته في تجارة العلافة حدود مكانه ومنطقته عما حولها مناطق وأمكنة ..

ولذلك أنس إلى شقيقي ، ثم إليَّ ، حيث كنا نتناوب العمل في (السنترال) .. ولم يكن من بُد أن نستأنس به ونأنس إليه أُنسا ..

برغم أنه كان يبلغ العام الثامن بعد الخمسين ، والفرق بين عُمرينا كبير ، إذ كنت أُناهز الخمس أعوام بعد العشرين ، غير أننا كُنا سوياً كأننا صديقين صدوقين ، تعارفنا كان وَطيد الصِلة ، يلمس المشاعر والحِس المُرهف ، والأدب العالي إلى درجة الإحترافية ..

أ شعبان صِديق ..

هذا الرجل الوقور ، الذي تخضب فوديه وأغلب شعره من أعلى بالبياض ، حيث صلعة خفيفة مزروعة بالشعر ، وهذه حدودها ، فإذا شاهدته من الخلف لا تكاد تلحظ صلعته ، أو ترى رأساً مُكتملاً شعره ـ فيما أظن ـ ، وجهه يشع بياضاً ، ويتألق بريقاً أخاذاً .. إذا تأملته رأيت وجه حالمٌ وشاعرٌ إلى أبعد حد ، وإذا نظرت في عينيه يُطالعك بريق الخبرة والحكمة ، وإذا رأيته من بعيد يمشي لمحت هيبة جليلة تشع من قِمة رأسه إلى أخمص قدميه ، وإذا تعاملت معه من قريب وجدت التواضع والرأفة والمشاعر الدفاقة والعِلم الغزير ..

أحببت هذا الرجل بدرجة كبيرة ، فهو قد أثر في شخصيتي ؛ نظراً لأنه شخصية نادرة ، وكما هي طبيعتي لا يؤثر في شخصيتي أو أتأثر تأثراً بالغاً إلا بالشيء النادر الفريد ..

كان أ شعبان شاعراً أديباً موهوباً بالفِطرة ، شِعره غزير الإحساس ومُتدفق المشاعر ، وتلاقت موهبتينا ، ومزجت بين شخصيتينا وتآلفنا وتحاببنا ..

كان قد نزل من أمريكا حيث عاش أغلب حياته المُدركة إلى مِصر حبيبته موطنه الأصلي .. ولم يكن قد مر على استقراره في مِصر الكثير من الشهور منذ ذلك الحين إلى هذا الوقت .. وقد كان ينوي السفر مرة أُخرى إلى أمريكا لمُتابعة حياته هناك حيث أحب الإقامة هناك ، فعشرون عاماً هناك كانت كافية لتكون موطنه الثاني نسبةً وتناسباً ، إذ كان يجمع بين جنسيتين ، المصرية والأمريكية .. كما أن معيشته هناك تتناسب مع شخصيته الراقية وعِشقه للحرية والرفاهية ..

غير أنه لم تُتاح له الفرصة للسفر مرة أُخرى ، بسبب نقص في أوراقٍ ما ، أو ربما كان الاحتمال الأكبر عدم توفر المال اللازم له ..

ففي أحد الأيام قبل شهر أو ربما أكثر ، فاجأنا أنه سيُسافر ، ولكن لم يكن الموعد قد تحدد بعد .. لا أعرف .. ربما لأن هناك بعض الأوراق ما زالت غير خالصة .. وربما كان السبب أنه لم يكن يملك أموالاً كافية لسفره .. ربما ..

كنا مُفاجئين أنا وأخي تماماً ، وهالنا الأمر .. فبعد أن تعودنا عليه وعلى جلسته المحبورة ، ومُحياه ، والعيد الذي يبدأ بحضوره وينتهي بمُغادرته من (السنترال) ، وبعد الملل الذي كان معششاً على كل جوانبه ، والسرور الذي يغمرنا بمُجالسته أو لمجرد معرفتنا بحضوره ، أو انتظاره .. بعد كل هذا يرحل هكذا ..

قال لنا أنه لا يُحب الوداع ، لذلك لن يُعلمنا بموعد سفره ، وسيرحل مُباشرةً .. حزنا منه لذلك ، لكننا قدرنا ذلك .. ومضينا نُحاول توديعه ، ونُصارحه بمشاعرنا اتجاهه ، ونقول له : إن لو سافرت اكتب لنا العنوان لنُراسلك ، أو اقتني حاسوباً ، وادخل على شبكة الاتصال ، واجعل لك بريداً إلكترونياً ؛ كي نستطيع مُراسلتك بسهولة ، وكان يتحفظ قليلاً على اقتناء الحاسوب بسبب شاشته المُضرة ، ولكنه قال أنه سيُحاول .. ولكن شاءت الظروف أن لا يُسافر ، وقرر أن يستقر في مِصر .. وحلا بنا المُقام في مُجالسته أوقاتاً عديدة وسعيدة ..

 

كان يحضر ، وأستبشر بحضوره أيما استبشار ، وتغمرني فرحة بالغة بمُجرد مُطالعتي لمُحياه ..

وكنا نجلس معاً نتحدث ونتحدث بلا إحساس بالوقت أو بمروره ، وكنتُ أُحاول الحصول على أكبر قدر من عِلمه وتجاربه الغزيرين في الحياة ، ولكني في كل مرة أشعر أنني لم أرتوي من جلوسه وكلامه معي ، حيث كنتُ أُلاحظ شيئاً عجيباً حينما يأتي .. أن الزبائن تتوالى على (السنترال) بشكل يتضاد مع عدم وُجوده ، فيشغلوني عن حُلو حديثه ، ورضوان مجلسه .. وبالتالي كنتُ أنتظر المرة القادمة بفارغ الصبر في مُحاولة لإشباع انبهاري وإعجابي .. ولكن ما كان هذا ليتم لي من شخص نادر مثل أ شعبان .. ما كان ليفعل .. أبداً ..

وحتى عندما تحتل الزبائن (السنترال) ما كان هذا ليُوقف طاقته أبداً ، فكان نُوره وبركته لا ينقطعان أبداً ..

فكان إذا رأى زبوناً مُتمسكاً بإجراء مُكالمة الهاتف المحمول مُباشرةً ، حيث يحمل بيده الهاتف بذاته على أُذنيه ، ينصحه بأسلوب جميل جذاب بأن التحدث من خلال كابينة الهاتف المحمول هي الأفضل والأوقى من الطريقة الأُولى .. فالطريقة الأُولى تجعل موجات القمر الصناعي مُوجهة على المخ مُباشرةً ، فيُصيب الإنسان بأمراض كثيرة أخطرها السرطان والعياذ بالله .. فلذلك الكابينة هي أأمن حيث أن الرأس بعيد عن تلك الموجات الضارة ، ويُمكن إجراء المُكالمة بواسطة سماعة هاتف العادية في الكابينة ، ويُخبره بأن كلامه مصدره ثِقة ، ويقول بتواضع جم وعلى مضض بأنه مُدرس لمادة العلوم في أمريكا .. ويقتنع الزبون ، بل ويشكره أيضاً بأن عرفه هذه المعلومة المهمة .. حتى أن زبائن كُثر إلى الآن جراء هذه المعلومة منه تعودوا أن يدخلوا كابينة المحمول تو دلوفُهم للسنترال ..

وكان يُلاحظ علامات التدخين في الشخص المُدخن ، حتى ولو لم يمسك الأخير لفافة القطران بين إصبعيه أمامه ، ويُبدي له ذلك ، ويفيض عليه بنصائحه ، جاذباً كل أذان مُستمعه إليه .. وتكرر ذلك كثيراً ، حتى أنني حفظت بعض طرقه في إقناع أعداد من المُدخنين بالتخلي عن التدخين إعجاباً بها .. فينصح هذا بترك التدخين لأن بنيته لائقة بلعب رِياضةٍ ما ، وأن خسارة هذه البنية في عدم ممارسة هذه الرياضة التي من أساسياتها البُعد عن التدخين وآثاره السلبية ..

ويُكلم ذاك الذي يُوحي مظهره بالفقر بأروع أسلوب رأيته في حياتي ، ويتحاور معه ويتضاحك معه ، ويدخل معه في حِسبة رياضية ، يقول له :

(( ما هو ثمن عُلبة التبغ التي تشتريها ؟ .. )) فيرد عليه الآخر بجنيهان مثلاً .. فيسأل : (( وكم علبة تشرب في اليوم ؟ )) .. فيرد : علبتين وأحياناً عندما أكون قلقاً ومُتوتراً ثلاثة علب .. فيقول ، وقد أمسك بورقة وقلم : (( تعالى نحسب هذه الحِسبة البسيطة .. اضرب أربعة جُنيهات في سبعة أيام .. إنها تُساوي ثمانية وعشرون جُنيهاً .. 28 جُنيهاً تُوفرهم في أسبوع يا عبد الله … تعالى نُكمل الحِسبة .. نضرب الأربعة جُنيهات في ثلاثين شهراً .. إن النتيجة تُساوي مائة وعشرون .. 120 جُنيهاً في الشهر .. أقليلٌ هُم .. والله المُوظف يقبض مُرتب يُماثل هذا الرقم … تعالى نُوسع الحسبة أكثر .. حاصل ضرب مائة وعشرون في اثنى عشرة يُساوي .. ألف وأربعمائة وأربعون .. تخيل ؟ .. 1440 جُنيهاً في العام .. هل تكره أن تدخر هذا المبلغ في هذه المُدة .. انتظر .. دعنا نُوسع المسألة أكثر .. منذ كم سنة تشرب هذا القطران ؟ )) .. فيُجيبه وهو يشرد بصعوبة : من حوالي خمسة عشر سنة ، مُنذ أن كان عُمري ستة عشر عاماً .. فيقول له : (( احسب معي هكذا .. أنت تقول من خمسة عشر سنة .. اضرب معي 1440 في 15 .. تصور الحاصل هكذا ؟ .. إنه إحدى وعشرون ألف وستمائة .. 21600 جُنيهاً كان يُمكنك توفيرهم من 15 سنة .. بلغت الواحد والثلاثون عاماً ، أتزوجت ؟ )) .. فيُجيب : لا والله ليس بعد .. ما زلت أُحضر في الشقة وخِلافه .. فيقول مُعاتباً بمرح أ شعبان : (( بالله عليك يا رجل 21600 جنيهاً يشترون شقة أم لا ؟ )) .. ويُومئ الرجل برأسه قائلاً : نعم والله .. ، فيقول : (( أنت ستتزوج الآن بعد عناء وشقاء ، كما أنك ستبني أسرتك وأنت مكدود الصِحة وبلغ بك المرض والتعب مبلغه جراء شُرب القطران هذا ، كما عليك أن تأخذ في اعتبارك أن النساء يأنفن من الرجل الذي يُدخن .. )) ..

وكان يُخبرهم بأنه نفسه كان مُدخناً ، وأنه ترك التدخين منذ زمن بعيد ، ما يقرب من خمسة وعشرون عاماً ، وألقى على سمعي مرة قصة تركه للتدخين ، فقال :

(( كنتُ أُدخن ، ولم تكن أُمي تعلم بأمر هذا ، وفي يوم كانت أُمي تغسل في الحمام ، وكانت تُلملم كل الملابس التي تحتاج إلى غسيل ، كان من ضِمنها قميص لي ، وكنتُ نسيت في جيبه الأعلى عُلبة سجائر ما زالت مُمتلئة ، وفتشت في الملابس حتى تُخرج من جيوبها ما يُردئه الماء ، وجاء الدور على قميصي ، وإذا بها تُخرج عُلبة السجائر منه ، وتُفاجئ ، بل تُصدم أن ابنها يشرب هذا القطران .. وتنتظرني ريثما أحضر ، وعندما عُدت للمنزل لجأت أبحث عن قميصي حتى لا تقع العُلبة المُحرمة في يد أُمي ، ولكنها كانت قد وقعت .. وواجهتني .. وبلُطف عرضت عليَّ الأمر ، وكنتُ أُحب أُمي حباً لا مُضاهاة له ، وأقسمت عليَّ أن أتوقف عن التدخين .. وبكل حب ، قلتُ لها : والله يا أُمي سأفعل ، فقط لا تغضبي عليَّ أو تحزني مني أبداً ، وها هي العُلبة من أجل خاطرك .. وأمسكتها ، وبين كفيا فرمتها فرماً بما تحتويه .. ووالله لم أكن قد أخذت منها سوى سيجارة أو اثنتين .. ومن يومها بررت بقسم أُمي ، ولم أُفكر يوماً في تدخينها ، بل بالعكس ، لم يكن شيء تُؤنفني رائحته بعد ذلك مثل رائحة هذا القطران .. )) ..

 

وعندما يلفت نظره أمراً في زبون وخاصةً البنات أو النساء عُموماً ، كان يُبادر في أول الأمر باجتذابهن بطريقة لطيفة مُعتمدة على إبهارهن بكلماته ، وكان ماهراً في ذلك مهارة لا تُضاهى .. حتى أنه أسر عدد من الفتيات بحلو كلامه وعُذوبة رُوحه .. وكانت هناك فتاة تسأل عنه دائماً ، وعلمتُ منه أنها تعتبره مثل والدها أو ربما أكثر وتأتي لتُشاوره في بعض شؤون ألمت بها ، وكان يُشاورها ويُعطيها الرأي ..

كان يجلس مجلسه قُبالتي ، وكان الجُزء الذي يجلس فيه يُتيح له مُتابعة المارة ، كان يُحب هذا .. كنتُ أحياناً أطلب منه أن يجلس بجانبي لأزداد استئناساً به ، ولكنه يقول لي مُمازحاً :

(( أريد أن أُراقب الحُور وهُن يَمررن ، أنت هكذا تقطع عليَّ مراقبتهن .. )) ..

 

كان كثيراً ما يُحب مُساعدة الناس .. ومواقفه في ذلك وفيرة وبائنة .. منها أنه كان بطبيعة الحال مُجيداً للغة الإنجليزية ، فكان يتحدثها بطلاقة ، وكانت تغلب على بعض كلامه معي ، فأحياناً عندما كان يدخل (السنترال) يُلقي عليَّ السلام بالإنجليزية ، وبرغم أنه رددها مِراراً على مسامعي ، بل وفَندها أمامي لأتعلمها وأحفظها ، ولكني للأسف لم أفعل .. وكان يذكر جُملاً أُخرى بالإنجليزية ويُبهرنا لمدى مهارته بنُطقها .. ومن اللطائف أنه كان إذا أراد أن يلفت نظر إحدى الصبايا إليه يتلفظ بجُملة مما تقول بالإنجليزية ، أو قال جُملة بالإنجليزية ليلفت نظرها ، وبالفعل كان ينجح في ذلك ، ويبدأ حديث معها .. وكنتُ أعتبر ذلك فن دعوي منه ، فكان يدخل بشكل جذاب ، ثم يُوجه ويُرشد بطريقة غير مُباشرة ، وإن فعل مُباشرةً فقد كان أسلوبه الفذ مؤثراً بحيث يجعل الماثل بين يديه مُستمعاً مُقتنعاً مُحترماً له .. فكم عاتب بأسلوبه الفذ اللبق ، وشخصيته النادرة الغفير من النساء على مُبالغتها في زينتها أو على ملابسها الضيقة كانت أو الشفافة ، ويُسدي إليهم نصيحته خشيةً عليهم .. ومن مُساعدته أنه دعا إلى مجموعات مجانية في منزله لتدريس اللغة الإنجليزية ، فعلى مَن يرغب الاتصال به أو السؤال عن عنوانه .. وكان يقول أن الإنجليزية سهلة جداً ، وشرحها بسيط للغاية ، لن يكون في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

( الطريق إلى النعيم )

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 5 أبريل 2008 الساعة: 23:55 م

 

( الطريق إلى النعيم )

 

اكتشف شخص فجوة تؤدي إلى عالم الخيال والأحلام ..
ودلف إليها .. ورأى مشهداً عظيماً ..
قصوراً كريستالية تلمع تحت ضوء أبيض ناصع مُبهر لا يُعرف مصدره ..
تَجول في الطُرق التي كانت هي أيضاً عجيبة نظيفة .. لا يبدوا أن أحداً وطئها من قبل ..
رأى ناس تطير ، ودون أجنحة !! ، أو أي سبب يؤدي إلى استطاعة التحليق .. غير أنهم كانوا قادرين على الطيران ..
ورأى عجباً عُجاب .. لا يوجد أدنى أثر لكدر على وجوه الناس .. وكأن الحزن والهم وأثرهما أُعدما من الوجود ..
كل الناس سعيدة في قمة مرحها واستمتاعها ..
وبينما هو في تجواله وذهوله ، قابل أحد الأشخاص فسأله :
ــ أين أنا ؟! ..
ــ أو لا تعرف ؟!! .. أنت في بُقعة شاسعة لم نكتشف حدودها بعد .. ولكن لك أن تعلم أن هذه البقعة هي مِداد بسيط للغاية من مكان يصفونه بأنه ما لا عينٍ رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ..
ــ فما هذا المكان ؟!! ، وكيف جئت إلى هنا ؟!! ..
ــ أنت عجيب ! .. أنت جئت هنا لأنه يبدوا أنك ذو عقيلة خصبة الخيال … وهذا المكان حيث بإمكانك فعل أي شيء ..
أومئ متفهماً .. ومن ثم شعر بشرود عظيم للشخص الذي أمامه ما لبث لحينه أن ارتفع جسده عن الأرض .. وحلق !! .. بعيداً ..
تأمله دقيقة .. ثم فكر دقيقة أُخرى ، وافتعل حركة تدل على حسم أمره ، وشرد وبدا أنه كان يركز فكره في شيء ما .. في التحليق .. فلقد ارتفع جسده عن الأرض بضع سنتيمترات … شعر بالنشوة جراء نجاحه .. وازداد تركيزه .. وإذا به يرتفع ويرتفع حتى بلغ الأُفق السماوي ..
التحليق سهل للغاية .. لقد صدق الشخص الغريب الذي قابله .. إنه يطير بسرعة الضوء ومع ذلك يرى كل شيء بوضوح ! .. أتراه تحول إلى الرجل الخارق ؟! …
مضى بصره يتجول أثناء طيرانه في خفايا هذا العالم العجيب المُبهر ..
وبعد فترة كبيرة جداً …
وجد بُقعة أُخرى .. بيوتها عادية أكثرها متهدمة … وأناس تحفر بأيديها في الأرض ، وآخرين يغوصون فيها دون إرادة منهم ، وتخرج نار ملتهبة من تحتهم … ورأى وجوهاً عابسة عليها غبرة ، وأُخرى حزينة بائسة يتبدى القهر على ملامحها … وحرائق في كل مكان .. كل شيء فيها محترق .. وأصوات عالية متعاتبة .. وصرخات هلع متألمة ..
اندهش لذلك ،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

( لعله خير ).. قصة

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 5 أبريل 2008 الساعة: 23:49 م

هذه القصة قد سمعتها من أخ لي وأعجبتني جداً .. وعندما كتبتها لأول مرة افترشت صفحة واحدة صغيرة ، إلا أني كل مدة لا يروقني ما كتبته ، وأجد بعض الأفكار الجديدة .. فشرعت في كتابة القصة هذه من جديد .. فكانت مثلما أريد ..

 

( لعله خير )

 

كان ياما كان ، في سالف العصر والأوان ، أنه كان هناك ملك من المُلوك العِظام ، له وزير حكيم ، ثابت الإيمان ..
كان الملك يأخذ المَشُورة من وزيره في كل أمر من أمور السيادة والحكم ، حتى في الأمور البسيطة التي تقتضي الإيمان .. وكلما يسأله عن رأيه في مكاره أو حوادث أصابته أو أصابت غيره ، يُجيبه وزيره بقوله المأثور الذي علي لسانه دائماً ، وطالما سمعه الملك منه :
(( لعله خير يا سيدي )) ..
فيغضب الملك لمقولته تلك .. ويتساءل في نفسه :
(( ما الخير الذي يُرجى من تلك المكاره ؟!! .. )) ..
كان الوزير يحاول أن يُنبهه إلي حِكمة الله في كل شيء .. وأن يُعيده إلي صوابه منذ أن استولي عليه أصحابه بنِفَاقِهم ومُداهنتهم له ، وإلهائه بمتع الدنيا ، وإفسادهم لأخلاقه ، ولكن لم يكن الملك ليستوعب إشارات وزيره ..
وتمضي الأيام ، وتتوالي الشهور ، ويمر عام ، وفي ليلة أول يوم من العام الجديد ، أمر الملك بأن تُعد العُدة للرحلة الخلوية السنوية لصيد الأسماك ..
وعندما أشرقت الشمس في اليوم التالي .. تحركت راحلة الملك من أمام القصر في حشد من رعايا الشعب يرجون عودته وعودة وزيره ( الذي كان مصاحباً له ) سالمين ..
وخاضت الراحلة في طريقها .. مرت خلاله بغابة ، وبعدها صحراء ، ثم هِضاب مُرتفعة ، ثم نهر عظيم .. كان هو المُبتغى ..
وحطت الراحلة في مكان مناسب .. وهُيئت خَيمة ملكية لاستراحة الملك .. وفي جُزء علي ضفة النهر رشحه المتخصصين في راحة الملك ، جُهز عرش مُبتكر بحيث يحجب أشاعة الشمس الحارة عنه ، ويكون مريحاً له عند انتظار غمز صنارته في الماء ..
وفي وقت مناسب .. خرج الملك هو ووزيره من الخَيمة الملكية ليبتدئا في الصيد .. وشرعوا في تلقيم صنانيرهم بطعام الأسماك ..
ومرت فِترة طويلة دون صيد ولو سمكة صغيرة حتى .. وبدء الملك يظهر عليه علامات الضجر والملل ، وشعر وكأنه يتذلل لأن يشبك في صنارته سمكة .. ونظر إلي وزيره الذي كان هادئ النفس شارداً ، يتأمل في الطبيعة أمامه في خشوع ، ويمسك صنارته في يديه منتظراً هو أيضاً .. ولكنه كان أكثر صبراً من الملك .. استعجب الملك هدوء وزيره ، فسأله قائلاً :
(( بما تفكر يا وزيري ؟ .. ألم تيأس بعد من أننا لم نحظى بأي سمكة حتى الآن !! )) ..
التفت إليه الوزير ، وقد أفاق من لذة طيبات الله المحيطة به ، وقال في صوت لم يخلوا بعد من أثر استلذاذه وشروده :
(( نعم يا سيدي .. في الحقيقة إني مستمتع بهذا المكان للغاية .. لدرجة أني لم أشعر بمرور الوقت .. )) .
ألقي الملك نظرة سريعة شاملة للمكان ، ثم تغاضي عنه في وجه عكر ، وقد وضع خده فوق يده ، وقال في عدم اكتراث :
(( لا أشعر بما تشعره أنت .. أشعر بالملل فقط .. )) .. ثم تساءل في نفاذ صبر :
(( إلي متي سننتظر هذا السمك ؟.. مر وقت طويل منذ أن جلسنا للصيد .. يبدوا أن السمك نفذ من هذا النهر .. )) .
عارضه الوزير في تهذيب جم ، مُذكراً إياه هدف الرحلة ، قائلاً :
(( لم ينتهي يا سيدي .. ولكن لكل شيء حكمة .. فوقت جوع السمك لم يحين بعد .. ونحن نأتي هنا للراحة بعض الوقت ، والاستمتاع بالجو المنعش الذي يُساعد علي الاسترخاء من مشاق الحُكم التي تُولد إرهاق التفكير والمعنويات ، وهذا يساعدنا علي استئناف مسؤوليتنا الهائلة عن الوطن والشعب .. فلنصبر يا سيدي ، ونسترخي ، ونستعيد أنفسنا ، حتى يحين وقت غداء السمك ..)) .
نظر الملك لوزيره بإمعان مُفكراً في حديثه ، وما لبث أن قال في مزيج من الترفع والتحاصر :
(( نعم يا وزيري .. هذا صحيح .. أعرف ذلك .. )) .
بعد فترة من الوقت .. غمزت صنارة الملك .. فهلل فرحاً أن أخيراً ثمة سمكة شبكت في صنارته .. جذبها عالياً .. ظهر بها سمكة كبيرة ، وبدت سمكة غريبة الشكل لم يكن رآها قبل ذلك .. وعندما أراد أن يمسك بها بين يديه ، أطبق عليها بين أصابعه كزت بأسنانها علي إصبع من أصابعه .. صرخ الملك من الألم بشدة !!
ويبدوا أن الألم كان من الشِدة بحيث كان كفيلاً أن يجمع كل البلاط الملكي المُصاحب للملك حوله ، فضلاً عن الوزير الذي كان مفزوعاً أشد الفزع عليه ، وقد أدرك برجاحة عقله أن الملك تعرض لعضة سمكة سامة ، فشرع في اتخاذ الإجراءات اللازمة ، حيث هدئ الملك وحذره من الحركة ، وأمر أن يُحمل الملك بسرعة إلي عربته الملكية .. وعادوا إلي القصر ..
ذاد الألم علي الملك ضِعفين .. وأُرسل إلي كبار الأطباء المتخصصين للعلاج بأسرع وقت ..
وبعد الكشف عليه وعلي موضع جُرح إصبعه ، كان تقريرهم أن الجرح غائر من أثر لدغة نوع من السمك سام ، وللأسف انتقل السُم إلي كامل الإصبع ، وأجمع الأطباء أن بتر الإصبع أمر حتمي وإلا سينتقل السُم إلي اليد بأكملها .. وقد حمدوا تصرف الوزير الحكيم في اتخاذ الإجراءات اللازمة فور استنتاجه علة الملك ، ولولاه ما نجيت يد الملك أو الملك نفسه من الهلاك ..

وتم الأمر ..

وفي اليوم التالي كان الملك في قِمة انزعاجه من أثر حادثة الأمس ، وما جري لإصبعه .. ودار هذا الحديث بينه وبين وزيره :
قال الملك في حزن جازع :
(( أرأيت يا وزيري ما أصابني ؟ .. )) .
أجابه الوزير مُتأسفاً ومُواسياً له :
(( لا تحزن يا سيدي .. " لعله خير " .. )) ..
وكررها عليه عدة مرات …
تغير وجه الملك وهو يسمع كلمات وزيره التي سأمها ، وأحس بكره نحوه ، وظل صامتاً ، وجهه مُحتقناً من الغضب ، يتمزق غيظاً ..
وخيم صمت ثقيل حاول الوزير قطعه بقولته المأثورة :
(( لعل في الأمر خير يا سيدي )) ..
وعندها انفجر الملك في وجهه ثائراً هادراً ، وهو يقول :
(( لقد مللت من جُملتك هذه ومللت منك .. ماذا تعني ؟ .. قل لي !! تري ما أنا فيه من مكروه .. وتقول أن فيه خيراً .. كيف ؟ هل تُحلل المواقف علي عكس ما هي عليه ؟ .. )) ..
ولم يُعطيه فرصة كي يتكلم أو يُدافع عن نفسه .. وما لبث أن أمر بسجنه .. وتجمع الجنود لينفذوا أمر الملك ، ولم يزل الوزير في حالة من الذهول يحدق في وجه الملك ، ويتعجب من رد فعله ، واقتاده الجنود لتنفيذ الحُكم ، وعندها لم يزيد الوزير إلا أن قال في هدوء راضي بأمر الله وثقة في حكمته :
(( لعله خيراً .. لعله خيراً )) ..
وتقدم مع الجنود إلي قدره ، وكأنه يجرهم ورائه .. وترك الملك ورائه وهو في دهشة عارمة من أمر الوزير وجُملته الغامضة هذه …
ومرت الأيام .. وبعدها الأسابيع .. وتوالت الشُهور .. وأتت غُرة العام .. وكعادة الملك يذهب للصيد ، ولكن بالطبع هذه المرة بدون وزيره أو حتى أحد من البلاط الملكي .. ذهب ومعه ثلاثة من الحراس المل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يوم على الشاطئ ..

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 5 أبريل 2008 الساعة: 23:33 م

أدب الرحلات
يوم على الشاطئ
صيف 2004
إنفراد مع المكان

ذهبنا إلى شاطئ البحر .. الرحلة المعهودة كل صيف .. كنا وأفراد الأسرة فقط .. في مرات كثيرة مضت تكون الرحلة بوجود الأقران من أولاد أعمامنا أو من أصدقاء والدي ..
خيمنا على الشاطئ بعيداً عن العُيون ، وبدت لي خلوة محبذة محببة .. فما أجمل من أن يختلي المرء مع صنعة من صنائع الإبداع الإلاهي ..
وما أروع وأبدع من البحر عندما ينفرد بجبروته ويطغى بلا رادع يردع أمواجه الهادرة الغاضبة … ليس غير الشاطئ الأملس ذو الوجه الناعم المُصفر .. هو الذي يردها ويصدها بقوة بكتلته الرملية المحتشدة التي تتآلف بشكل خاص مع أصحاب البر ..
فالشاطئ برمائي ، وإن كان انتمائه لليابسة ، فكأنه يتودد للماشيين فوقه ، وكأنه يقول :
ــ « صبرت كثيراً على ضربات البحر وحدي ، وطغيانه عليَّ ، وأنا لا أنتمي إليه ، وآن لي أن أُناصر مَن أنتمي إليهم … على الأقل مُكافئةً لِدغدغات أقدامهم التي تُضحكني وتُسليني وتُبدد وِحدتي أيام الشِتاء ، وتدفعني للثبات والصُمود أمام مُحاولات ذلك البحر الغدار لتكسيري بأمواجه المُتكررة » ..
كنتُ أرى في الشاطئ حُزناً غاضب ، ولكنه هادئ بصفحته الملساء الصفراء المحبحبة ..
وكان البحر في أشد ثوراته ــ على غير عادته في هذا الوقت ــ يتحدى بشماتة ..
ولكني عرفت السبب ..
لقد قالت لنا إحدى النساء التي كانت موجودة قبلنا على الشاطئ .. أن هناك شاب كان يسبح في الصباح الباكر .. وغلبه التعب .. وانتهز البحر ضعفه .. فهدر وعتت أمواجه ، وجذبته لبطن الخطر .. فلم يكن لهذا الشاب مفر من جبروت البحر الذي بإمكانه احتواء بليارات البليارات من هذا الجسم الضئيل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مُحاكمة في " عالم الخيال " 2

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 5 مارس 2006 الساعة: 18:58 م

( 6 )

ــ « يا بني .. لقد كنتُ أشبه بك .. غُلامٌ يافع في نهاية عقده الأول ، ذو نبوغ فِكري فِطري .. كنتُ وَلِعاً بالخيال والتفكير .. كنتُ أُحاول صُنع أشياء مُبتكرة من خِلال جُموحي وأحلامي .. كنتُ نَهم القراءة .. كنتُ ماهراً في أشياء كثيرة .. كنتُ كنتُ .. إلى أن بدأت أنشغل بدراستي .. لم أهتم بغيرها .. كان أهلي يرنون فيّ أن أُحَّصل أعالي الدرجات ، وأفضل المُستويات .. عاونوني على ذلك ، فأذعنت لهم .. أُصارحك القول .. كان كل هذا هراء .. فإن التعليم في بلدي كان في أسوأ مضامينه .. لا منهج ، ولا تعليم ، ولا أسلوب ، ولا طريقة ، ولا نِظام … كان هذا حال مُعظم المؤسسات .. مُتدنية ، تتبع سياسة ضامرين للبلاد السُوء والعداوة .. لولا أني لم أكتشف هذا إلا مُتأخراً .. لقد انجرفت مع التيار بلا هوادة .. تُلهبني المُنافسة مع أترابي في سنوات الدراسة .. أهملت كل هواياتي ، ومهاراتي ونسيتها ، وباتت عسيرة الممارسة .. لم أعد أقرأ إلا في كُتب دراستي .. تعطل فِكري وجُموحي ، مُنحصراً في التباري .. ولم أعد أعترف بشي يُسمى خيال .. بعد أن أنهيت دراستي .. تهت في مضارب الحياة ، بلا ميراث لذاتي ، بعد كل هذه التنقلات بين مراحل الدراسة .. أدركت أن كل العِلم الذي تعلمته لم ينفعني بشيء .. ولكن بعد أن انتهيت .. لُذت بالبيت بلا عمل ، ليتَ كانت لي مَشغَلة أشغَلها .. ولكن لقد نضبت فِطرتي ومهاراتي منذُ سنين عُمري الأُولى .. لقد نضبت فيّ كل رَوعتي وتألقي وطُموحي .. شعرت أني ضائع .. وكنتُ كذلك بالفعل .. صِرت كسولاً ملولاً .. كرهت التعلم .. وكرهت القراءة ، وكرهت التفكير .. وزاد الطِن بِلة أن صاحبت بعضاً من أصحاب السُوء كانت أفكارهم مُضمحلة ، لا يعبئون إلا بالتسكع واستهجان كل ما يمت للصلاح بِصِلة .. رافقتهم فِترة .. وربما حَلت بي صحوة .. فتركتهم ، ولا شك أنني تأثرت قليلاً بهم .. وعُدت لقوقعتي المُظلمة بلا عمل أو أفكار .. حاولت في فترة أُخرى أن أبدأ مَنحاً آخر في العِلم ، وأن أثقل مواهبي بأخذ دَوَرَات فيها ، ولكن كان يبدوا جَلياً أن هِمتي فترت فُتوراً جسيماً ، لم أُتابع ، وأهملت ورََسبت ، ورَاودتني ذِكريات طُفولتي ، فأحببت أن أبدأ من جديد بقُدراتي فيها .. تدربت نفسي على التفكر ، وبلغت بي أفكاري مَنحاً جَامحاً بشكل محدود .. ولكنها لم تكن إلا مُجرد أفكار تلهوا داخل رأسي ، كنتُ أُهملها ، وبالتالي أنساها وتذهب أدراج الرياح .. لم أُفكر حتى في تدوينها كبداية ربما تُساعدني في شيء ما فيما بعد، يُساهم في خروجي من هذا المُستنقع المُظلم البارد العَطن .. لذلك رَكدتُ رُكُوداً كوَحلٍ عَفِنْ لا يَمسه حتى مجرد الهواء النقي .. وانحدر فِكري مرةً أُخرى أكثر وأكثر ، ولم أعد أمت بصلة بشخصي القديم طفولةً أو شباباً في حتى سنوات دراستي .. ما عُدتُ قادراً على شيء .. أصبحتُ عَاطلاً مُفرغاً ، مُظلماً غير أبهاً ، هوائياً ساذجاً ، غير قادر على تحقيق أي شيء، ولو كانت مُجرد فِكرة طفيفة .. بَقيتُ كذلك لأجلٍ غير معلوم .. كنتُ فيها أُقاسي أعتى حُقبة من حياتي .. إلى أن استدعيت إلى " عالم الخيال " .. هُنا .. وفي بادئ الأمر كان هذا بالنسبة لي ضَرباً من الوَهم والخِداع ، ولم أكن أُصدقه ، بل رفضته مُقرراً في نفسي أنه جنون انتاباني جراء سُوء حالتي، وهو الذي يُهيئ لي ذلك .. وصِدقاً لقد بذل أُمراء الخيال هنا قُصارى جهدهم معي .. حاولوا إقناعي بأن " عالم الخيال " هو عالم من ضِمن العوالم التي لها قوانين خاصة بها مثل " عالم الواقع " الذي هو الوجه الملموس للبشر .. قالوا لي مُعظم ما قالوه لك ، كنتُ أحياناً مُجادلاً ضالاً.. ولكن أُصارحك القَول .. أن كلامهم كان منطقياً جداً ، وإن لم يكن هذا مُسلَماً به لدى عُقول الناس في العالم الواقعي .. أتوا لي بإنسان يبدوا من هيأته أنه جُثة مُهترئة ، ولكنه يتحرك ويتكلم بصعوبة .. حكى لي عن حكايته أيضاً ، ولكنها كانت قِصة أشنع من الخاصة بي .. لقد كان يعيش في ماضٍ سحيق .. عندما لم تكن الأقلام أو الأوراق موجودة.. كان مُعبئاً بالأفكار والمشاعر ، غير أنه لم يكن يستطيع التعبير عنها بالوسائل المُتاحة في عصره .. كان يعرف أن الناس من حوله تبرع في الخَطابة والكلام الشفهي حيث هي وَسيلة التعبير الوحيدة ، وكان الكاتبون على جُلود الحيوانات قليلون فَضلاً عن أن الكتابة كانت في بدايتها ، ولم يكن بمقدوره الحُصول على كاتب له يكتب خياله ، ولم يُحاول هو تدبر ذلك عن طريق تعلمه هذه الوَسيلة .. تكاسل .. حصر نفسه في أفكار وحيدة ، لا يتجاوز عنها ، ورضا بحاله مُتألماً خَسراناً … مات .. كان الموت نصيبه وراحةً له بعد أن سُحبت منه قُدراته وموهبته في الفِكر من " عالم الخيال " …. رُويداً رويداً اقتنعت ، وعُدت إلى صوابي .. ولم يكن هذا فقط .. لقد استعدت نفسي من جديد .. حلقت في فضاء من الخيال ، والأهم من ذلك .. أنني بدأت أتعلم ، وأتبحر في العِلم حُباً فيه ، ورغبةً في الارتقاء ومعرفة الحقيقة .. والأهم من ذلك كله أنني حَولت سلبية التعليم عندنا إلى إيجابية البحث عن طُرق أفضل وأجدى في التعلم والتعليم ، حضرت للـ ( ماجستير ) ، وحصلت على ( الدكتوراه ) بهذه البحوث ، التي حازت على إعجاب ودهشة الجميع ، وطلبتني دُول للمحاضرة في جامعتها ، وإنني الآن رئيس جامعة جديدة تنتهج أسلوبي وتطويري في التعليم ، ذاع صيتي في العالم ، وبإمكانك أن تسأل عن " طلعت عاكف " مَن هو ؟ وسترى … وصدقني إن السبب في ما أنا عليه الآن هو انتمائي لهذا العالم الخَير .. هو إطلاقي لعنان جُموحي وأحلامي .. ومن هُنا بإمكانك أن تتعرف وتستنتج لما اسمي في " عالم الخيال " هو " بحر " … » ..
وسكت عن الكلام المُباح ..
وساد الصمت كل شيء ..

* * *
( 7 )

بعد دقيقة من التدبر والإمعان .. نظر " بحر " لـ " أحمد " مَلياً ، بإشفاق مع تحنان ، وقال بصوتٍ مُتهدج :
ــ « هذه يا بني قصتي ببساطة .. حاولت اختصارها .. أعلم أنها طويلة ، ربما أطلت عليك فِعلاً .. ولكن لعلها تجربة حياتية تُفيدك في شيء .. » ..
وسكت برهة ، ثم استأنف مُضيفاً :
ــ « ولك أن تعلم يا بني أنني واحد من أعداد .. عُلقت صُورهم على هذا الجِدار البعيد .. » ..
وأشار بإصبعه ناحية مجموعة الصور المصفوفة، التي تحمل صور لأشخاص عاديين بالمرة ، كانت صُورته إحداها .. والتفت " أحمد " ناظراً إلى حيث يُشير " بحر " .. وعلت الدهشة وجهه ، وهو يُدقق في ملامح " بحر " في الصُورة الخاصة به ، وراح بعينان ضيقتان يُحدق فيها مُدة ..
تبادل " بحر " مع " أمير الخيال " نظرة مُتسائلة .. ثم تقدم هذا الأخير في هِمة ، ووَقف بجانب الأول يُصافحه ، ويربت على ظهر كفه في وُد وامتنان ، وقال مُسترعياً انتباه " أحمد " :
ــ « شُكراً لك يا " بحر " .. جزاك الله خيراً .. نفع الله بك الإسلام والمسلمين .. » ..
وغادر الرجل المكان ، واعتدل " أحمد " ، ووَجهه مُرتسم عليه الإرهاق والتعب ، فقد تحمل في وُجوده في " عالم الخيال " من الحقائق الكثير التي أضنت ذهنه ، فكأن عقله يرفض أن يستقبل من الحقائق جُزئاً آخر، مما يُعجزه ، فتوقف ريثما يًُفند ويُحلل ما استقبله وفاض عنده ، ويعقله ويزنه ، ويضع اختصاراً عن رأيه ، حتى يُصبح في إمكانه تلقي واستقبال فيضاً وأجزاءاً أُخرى من الحقائق الغائبة .. المُتوارية .. والتعامل معها ..
تفهم " أمير الخيال " ذلك للغاية ، فقدر أنه لا بُد أن يتخذ إجراءاً حاسماً ، سيساعده حتماً في القضية التي أمامه ..
فَرفع من صوته ، سمعه كل الحُضور في المحكمة ، وقال :
ــ « سنأخذ استراحة لساعة من الآن .. » ..
وغمر المكان ضَوء بلون البنفسج الفسفوري ..
مع مزيج من الظلام ..

* * *
( 8 )

تألقت القاعة كلها بالتدريج فور دُخول " أمير الخيال " بأوج فخامته ، وإن أعطته رشاقته الغالبة على حركاته معني بالرُقي له رَونق خاص للغاية ..
ووَقف في مُنتصف المِنصة الاسطوانية بجسد عتيد ، ذراعيه مفتولة تحت رِدائه ، وكفيه مُترابطتان وراء ظهره مع اعتداد بالنفس غير عادي .. وانتظر حتى عاد كل شيء لوَضعه ، وتأكد من أن كل شيء يسير وِفق نظرة النظام المُعين عنده ، وأخيراً تركز بصره بحكمة بليغة على " أحمد " الجالس ، الذي بدا عليه الهدوء ، وإن كانت أعماقه تُمانع في ذلك ، فلقد ظن أن حُلمه انتهى ، ولكن يبدوا أن هذا الحُلم يُصر على مُحاصرته ، والجُثوم عليه .. يبدوا وكأنه يحوي رسالة ما .. لا بُد من ذلك .. رسالة .. لا احتمال غير ذلك ، إلا إذا كان هذا العالم… حقيقة !! ..
وسواء الاحتمالين ، فكِلاهما يتضمنان رسالةٍ ما ..
أخرجه من حديث نفسه الثائر " أمير الخيال " ، وهو يُلاطفه بحنان :
ــ « هاي يا " أحمد " .. أفق .. هل ما زِلت هُنا ؟ .. » ..
رد " أحمد " بتثاقل :
ــ « نعم يا سيدي .. وأين المَفر منكم ؟! .. » ..
تزايدت جُرعة العطف والتحنان عند " أمير الخيال " ، وهو يقول :
ــ « مُتأسفين جداً يا " أحمد " والله .. إنني أُدرك ما تمر به ، وأشعر بحيرتك .. ولكن يجب أن تصحوا من رِقادك .. غَفوتك طالت كثيراً يا " أحمد ".. » ..
أومئ " أحمد " إيماءة بالإيجاب أثلجت صدر " أمير الخيال " ، فظهر على وجهه شبح ابتسامة ، في حين قال الأول هامساً بحرارة :
ــ « نعم .. فِعلاً .. » ..
ثم رفع رأسه إليه ، وهو يُشير بإصبعه إلى قلبه ، قائلاً بنفس الصوت :
ــ « صدقني هنا ليس مُرتاحاً أو تكتنفه ثِمة سعادة .. » ..
ــ « أيها التعس .. وما الذي لا يُشعرك بالسعادة ؟ .. » ..
ــ « لا أعرف !! .. إنني حائر .. شيء من داخلي كان أحياناً يُناديني مُعترضاً على حالي ، ولكني كُنت أُسارع بإخماده بحياتي اللاهية البائسة التعيسة .. » ..
ــ « هل يُناديك هذا الهاتف الآن ؟ .. » ..
ــ « بلا توقف !! .. » ..
ــ « يُناديك بماذا ؟ .. » ..
سكت برهة ، ثم أجاب :
ــ « يُُناديني أن أستجيب إليكم بلا تفنيد .. يحثني على تصديق شواهد هذا العالم العجيب .. يُشجعني للبداية من جديد .. يزرع فيّ أملاً كبيرا .. يزيدني إيماناً متينا ….. » ..
ــ « وما الذي يمنعك من إثبات ذاتك بها ؟ .. » ..
أطرق في صمت ، وقد التقى حاجباه في تفكير عميق .. استغرق دقيقة ، انتظره خلالها مُحاوره في ذوقٍ راقي للغاية ، ولوهلة بدا " أحمد " في شِدة حيرته ، تهم شفتيه أن تنفرج لتتحدث ، وما تلبثا أن تنطبقا ، في حركات توتر أجبرته أن يهز رأسه في عجز ، ويقول في اضطراب قاسي :
ــ « لا أعلم … إنني أُعاني من عِلل كثيرة تَحُول دُون ذلك .. منها قد تعرض لها أا…. ! » ..
بتر عبارته مُتلجلجاً في الكلام ، وراح يُشير حوله ، عرف " أمير الخيال " مُراده ، فأسعفه ، قائلاً :
ــ « تقصد " بحر " ؟ .. » ..
ــ « نعم .. نعم هو هو ما أقصده .. » ..
وعلق عينيه على " بحر " ، وهو يُردف :
ــ « لقد شعرت أن في قِصته أجزاءاً تُماثل بعضاً لا بأس به من أوضاعي المزرية، ولكن.. هُناك اعتلال يرجع لـ…. » ..
حثه مُحاوره بعين شديدة الاهتمام ، قائلاً في لهجة أقرب إلى التوسل :
ــ « تكلم يا " أحمد".. قُل .. إن عقلك الباطن مُتكشف لك الآن.. أَبدي ما يَجُول في خاطرك.. استرسل يا أخي أرجوك.. » ..
نظر إليه " أحمد " يتأكد من مدى حَضه ، فمط شفتيه حاسماً ، وعينيه تسرح في الفراغ ، ويقول بصوتٍ مُرتجف ، يُحاول الاسترسال ببطء :
ــ « إنه " أبي " …. إن جُزء غير هين يرجع إليه … إن لـ" أبي " مجموعة من العناصر هي في اعتقادي التي أحالتني إلى ما أنا عليه وما أُعانيه من سَقم .. منها ممارستان كفيلتان أن تجعلني كما تَرون … كان " أبي " هو ولي الأمر .. الآمر والناهي في البيت .. " أبي " كان عنده نزعة في غمط حقوقنا في الرأي أنا وإخوتي ، باعتبار أنه ذو خبرة عميقة وطويلة في الحياة ، وأنه أدرى بمصلحتنا .. وهو جدير بذلك .. لولا أن أسلوبه معنا كان صارماً حازماً ، يبغي دائماً أن يَنفَّذ أمره دُون جدال .. وإن اعترض ثِمة إنسان يُسمى ابنه ، وإن شِئت فقل ( عَبده ) فجزائه أن تَضيق عليه الدنيا بما رحبت .. لا ترفق بصغاره ، سُرعان ما يتبرم وجهه ، ويسخط علينا ، لا تجاوز .. دائماً مبكتة ، وأخذٌ على أيدينا … كنا إذا أردنا أن نطلب منه حاجةً تضطرب نُفوسنا ، ونظل مُترددين ، لا نعرف كيف سنُقدِم إليه ، أو حتى كيف سنستطيع مواجهته بجُرأة كافية ؟!! .. أحياناً كثيرة عندما يُعاتبنا أو عندما نقف بين يديه كنا نقف وَقفة ذليلة مَريرة تشبه يوم الوقف العظيم من هَول الموقف في قلوبنا … كان هو الوحيد الذي يختار أي شيء خَصنا أو لم يخصنا ، ورأيه هو الذي يَسري .. كان مُتفرداً برأيه دُوننا … أما الشيء الآخر .. فقد نتج سلباً عن الأُولى .. فإنه كما كان يُمارس تسلطه برأيه .. كان أيضاً لا يثق في قُدراتنا برغم أننا كُنا قادرين على تقديم الكثير لو وَثق بنا واحترمها ، فكان مسئولاً عن كل شيء ، فلم يُعودنا الاعتماد على النفس .. وهذا كان له أثره على ضآلة معرفتنا ، وانمحاء ثِقتنا في ذاتنا ، والانزواء بعيداً عن المُجتمع من حولنا … أشياء من هذا القبيل .. » ..
صمت وقد لمعت في عينيه ثِمة عبرة مُترقرقة، أطرق " أمير الخيال " رأسه تضامناً معه، في حين تابع " أحمد " قائلاً :
ــ « إنني لمجرد أني أشاهد فيلماً خيالياً يتذمر وينعتني بالتفاهة وما أُشاهده ، ويُهون من أمر ما أهتم به .. حتى لقد تجرئ علي ذلك تارة في بداية تدهوري ، وقال بهدوء ، وأنا أُتابع ( فيلمي ) : أدر هذا الفيلم الخيالي إلي فيلم أحسن منه واقعياً .. هذا في المرة الأولي .. أما في المرة الثانية فلقد ألقي نفس جُملته ، ولكن في صرامة .. ولم أجد غير أن أُدير لِما يريده تجنباً للمشاكل .. ونفذت ما أمر به دون كلمة اعتراض واحدة ، غير أن وجهي لم يحتمل ؛ فتلبد في غضب وحنق .. حتى أني كنت أريد بعد تنفيذ أمره أن أنطلق إلي غُرفتي مُعترضاً .. ولكن لم أستطيع .. لقد توقفت إرادتي عن العمل .. كانَ إذا رآنا نلعب الألعاب المُختلفة ، التي تُنمي مهارتنا وتُقوي أذهاننا زجرنا ، وسخر منا ، وكانا يصفني أنا بالأخص بـ ( ذو الفلسفة الخائبة ) …. كنتُ في بادئ الأمر تأخذني الأنفة ذَوداً عن مآثر شخصيتي ومُيولها ومَذاهبها ، ولكن سُرعان ما تأقلمت وخنعت وانصعت لكل أوامره على مضض … كنتُ أشعر بخواء المشاعر والأحاسيس لمَن حولي ، خاصةً بعد أن انصرف إخوتي كلٌ إلى انشغالاته ، وأصبح لهم شأن ولو بسيط ، دُوني .. أعتقد أني تأثرت جداً .. لم يكن أحد يستطيع أن يشعر بما يعتمل داخلي .. إن أي محاولة مني لإخراج انفعال عكسي اتجاهه يُقابل بأقذع قذائف الشتائم والإهانة .. » ..
وسكت برهة ، ثم رفع كفيه إلى وجهه الذي اندفن فيهما ، وهو يقول :
ــ « أشعر الآن أنني أنا أيضاً خاوي من أي مشاعر .. أشعر أني ضائع في بئر سحيقة لا يُعرف قرارها .. مزيج من مشاعر عدمية .. يأس شديد .. ضياع شديد .. عدم إحساس بنفسي .. أُمنية وحيدة .. أن أختفي من الدنيا دُون عِلم أحد .. أو حتى عِلمي .. » ..
اقترب " أمير الخيال " منه، وضَمه بيده يحثه على الهُدوء، ولكن كان " أحمد " في ذُروة انفعاله، وبرغم ذلك فقد قال :
ــ « كم أعاتب نفسي علي كلامي هذا .. ما كنتُ أحب أن أتكلم عن أبي هكذا .. ولكن ماذا أفعل ؟ .. لقد ثقل صدري بهمومي .. هذه بعض شُجوني .. » ..
وبقِمة الحنان الذي يملكه إنسان مسح " أمير الخيال " على رأسه ، قائلاً :
ــ « اهدأ يا " أحمد " .. على الأقل لقد تعرفت على بعض رُكودك .. » ..
صمت هنيهة ، ثم استأنف :
ــ « ولكن لا نحنُ ولا أنت نستطيع أن نضع كل أوزارك على والدك .. نعلم ذلك ، وكذلك أنت .. فهو والدٌ فاضل بمعنى الكلمة … إنما لا بُد أن تعترف بما قَصرتَ أنت فيه .. » ..
تحررت دُموعه المُترقرقة في عينيه ، وأصبحت مُحمرة مُحتقنة ، وبدا مُلتاعاً عندما صدرت منه هذه الشهقات المُتأثرة .. كفكف الشاب المُتوج المُفعم بالحنو والمشاعر الرقيقة دُموع " أحمد " ، الذي استكان لِمُحاولاته في تهدئته ، فأفاق وجهه ، وتابع كلامه مع قليل تأثر ، واسترسل :
ــ « أعلم أنني مُقصر .. وأن عزيمتي كانت ضعيفة للغاية .. استسلمت بسرعة .. ربما لأني كنتُ صغير بحيث تعودت على ما عُودت عليه بدون إرادة كافية … لقد تخليت بكل سهولة عن أفكاري وموهبتي ، وتطبعت بطبائع بالية تقليدية عادية لِمَن حولي ، ليس فيها أي طموحات تُرجى ، وخُضت مع الخائضين أعمل ما يعملون .. تراخيت مُهملاً بعض سُويعات من أوقاتي لا بأس بها ، كان في إمكاني استغلالها في تنمية مهاراتي وموهبتي .. وتجمع لي خليط من الوَسائل التي تُعين على بُلوغ القِمم ، ولكني لم أُعرها اهتمامي ، وتغافلت عن نفعها في حياتي .. أو قُل أني استعملتها في غير مفادها الراقي .. حَل الخُمول في كياني ، ويئست من أن يكون لي شأن مُرتقي ، ولم يكن لي نفعٌ يُذكر .. فيا ليتني قدمتُ لحياتي .. » ..
راق " أمير الخيال " هذا الاعتراف الذي صدر من جليسه ، ولم يكن وحده ، بل لقد سَمع صوت همهمة مُنبعثة من الحُضور ، حسمها بالصمت بتلويحة من معصمه تُشير إليهم بالتوقف والهدوء ..
وأخذ مجالاً بعيداً بخطوات رَصينة ، وهو يقول بجدية صادقة :
ــ « باستطاعتك البدء من جديد .. لا تيأس .. لا تمضي في هذا الطريق البائس .. » ..
قال " أحمد " وهو يهز كتفيه دلالة على عدم الحِيلة :
ــ « وماذا في استطاعتي فِعله ؟! .. » ..
ــ « باستطاعتك فِعل الكثير .. / إن طاقة الجُهد المُدخرة في كيان الإنسان وُجدت لتُبذل ، فإن لم تُبذل تمرض ويمرض معها الإنسان /( كتاب فن الدعوة ) .. أنت شاب .. وتملئك طاقة مُتأججة .. بمقدوري رؤيتها ، ولكنها الآن خامدة مريضة .. أشعلها بقليل من الفِكر والنشاط .. » ..
ــ « كيف بربك ؟! .. إنني فارغ .. لا أملك هدف حتى أبدأ هذه البداية .. » ..
ــ « بربك أنت .. لستَ كذلك .. فتش في نفسك .. ابحث .. ستجد شيء بالتأكيد .. إنما عليك بهذه البداية .. فَكر .. أطلق عنان خيالك .. أطلقه ، واقتنص أي فِكرة مُجدية ، وتجد طاقتك قادرة عليها .. فقط اسرح وتخيل .. واجمح .. أعمل خيالك .. » ..
تعكر وجه " أحمد " ، وصرخ قائلاً :
ــ « خيال .. خيال .. أكل شيء خيال ؟! .. أياً كنتَ يا هذا .. هكذا ربانا أبي، إن الخيال لا يُقدم كل شيء .. » ..
ــ « بالفِعل ، إنني معك .. كِلاهما معاً .. » ..
ــ « الواقع هو الأصل .. الواقع هو الأهم .. » ؟؟
ــ « أما هذا فلا أُوفقك عليه .. بل الخيال .. فهو الأصل .. ودعني أُشاطرك أن الواقع هو الأهم .. » ..
وفي لهجة شديدة التهكم ، قال " أحمد " :
ــ « كيف ؟!! .. أخبرني يا مَن عنده كل الحقائق والأخبار ، يا مَن اتخذت عالم الوهم هذا مؤوى ؟!! .. » ..
ظهر الضِيق على " أمير الخيال " ، وبدت الحِيرة على وَجهه ، وهو يتأمله في دهشة ، ثم قال :
ــ « ما الذي غَيرك بهذه السُرعة بعد أن كنتَ قد أشرفت على هُداك ؟! .. » ..
وسكت برهة ، يستجمع هدوئه ، واكتست ملامحه بالصرامة ، التي خرجت مع صوته ، وهو يقول :
ــ « لا داعي لأن تستهزئ بكلام واهٍ ليس له أصل .. عليك أن تتفهم الحقائق جيداً .. ويجب عليك أن تعلم أنني ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت … ليس صحيحاً أنني، أو كُل مَن هنا يسكنون " عالم الخيال " ، ويتخذونه مؤوى .. إنك لن ترى أحداً اتخذ من " عالم الخيال" مَوطناً ، إلا وله رِفعة وبصمة ، ويعتلي قِمة من القِمم في " عالم الواقع " ، الذي تقول أنك تنتمي إليه .. صدقني .. أنت لو أدركت ، ما قُلت مثل كلامك .. لأنك لا تنتمي لأي من العالمين .. لا لـ " عالم الخيال " ، ولا حتى لـ " عالم الواقع " ، الذي تتشدق مُعلناً أنك تعيش فيه .. لا أحد ينتمي لـ " عالم الواقع " ، إلا وله موطن في " عالم الخيال " .. وإلا فهو ميت .. لذلك فأنت ميت يا " أحمد " .. ميت .. لا رُوح فيك ولا حياة .. لا تعيش من أجل واقعك على الأقل .. لا تعيش لأي شيء له قِيمة .. يجب أن تُصدق أن كل إنسان يتشدق بأن لا شيء اسمه الخيال هو مُخادع ، أو إن شِئت فقل أنه مخدوع خِدعة كُبرى .. أتعرف لماذا ؟ .. أجبني بالله عليك .. » ..
ــ « قُل .. قُل لي لماذا ؟ .. أخبرني .. فيبدوا أن حالتي أودت بي ، وذهب عقلي .. » ..
ــ « لا داعي للمهترات .. اعلم أنه لا واقع إلا وكان قبله شُروعٌ في تفكير وجُموح وخيال .. أجبني .. هل حقق أي إنسان أي غاية إلا وكان وقبلها خِطة وتفكير ؟ .. » ..
تاه " أحمد " في تفكير عميق ، ثم وبصوتٍ مبحوح قال :
ــ « لا .. لم يسبق إلى عِلمي المحدود ذلك .. » ..
ــ « إذا أنت اعتقدت في ذلك ، وآمنت أن كل الغايات لها تدبير وتفكير .. فسهل عليك أن تقتنع أن التفكير والتخطيط ما هو إلا تخيل.. ما هو إلا خيال .. لذلك عليك أن تؤمن بـ " عالم الخيال " بأنه مرجعية " عالم الواقع " .. بأنه البداية لواقعٍ ملموس .. وليس أن الواقع هو الأهم أنه لا أهمية للخيال .. بل إن للخيال الفضل في كَون الواقع واقعاً ومُمكناً ومحققاً .. انظر حولك وفَكر .. لو كُنا في عَصر الأخوان " رايت " ، وصارحت الناس وقتها أن في عصرنا الآن أن وَسيلة المواصلات الأسرع هي قِطعة من المعدن تطير في الهواء وتعبر القارات حاملة مئات الناس عليه .. ماذا تراهم يفعلون ؟! .. سيعتقدون أنك مُشعوذ أو مخبول هرب من مصحة العلاج النفسي .. وكذلك كان هذان الأخوان ، لم يُبالوا بمحدودية عُقول الغوغاء من الناس .. تخيلوا الفِكرة .. تخيلوا في وَسيلة المواصلات التي تسبح في الفضاء ، واستيقنتها أنفسهم ، وأعدوا لها عِدتهم ، وشرعوا يعملون ، وظلوا عليها عاكفون .. حتى فعلوها .. طارت طائرتهم في الهواء فوق أنظار الأعين الدَهشة … الأخوان " رايت " ماتا في " عالم الواقع " .. صدق أو لا تُصدق .. إنهما ما يزالان على قيد الحياة في " عالم الخيال " .. لو أردت رؤيتهما لأريناكهم .. إنهما الآن يُتابعون من كَوةٍ ما تطل على " عالم الواقع " تجربة اختراع سفينة فضائية تخرق أجواز الفضاء بسرعة الضَوء .. » ..
ضاقت عيناه ، وأومئ برأسه ،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مُحاكمة في عالم الخيال 1

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 20 فبراير 2006 الساعة: 18:32 م

عمل روائي ، ليس بالكبير نعم .. ولكني كنتُ قررت في نفسي أن أُوفي به ..
وأُهديه للمنتدى ، وبالأخص عضونا المميز أخي الحبيب ( بحر الحياة ) ..
أخي أُنظر ..
هذا هُو جزأ صغير من عالمي الشاسع ..
" عالم الخيال "

لمحة غاية قي الصِغر من عالم الأعاجيب والخوارق والفِكَّر .. عالم الأحلام والأساطير .. " عالم الخيال " ..
( مُحاكمة في عالم الخيال )
( 1 )
تبددت موجة الضباب في هذا الجُزء من الفراغ ..
لم يكن فراغاً كاملاً ، بل كان فراغاً خيالي بمعنى الكلمة ..
كانت قِطعة من الفراغ بمفهومنا .. ولكن لعل مُفكر فَطِنَ إلى الحقيقة ، أدركها ، وقال : « لا بُد أنها تعني الكثير لِمن ينتمون لعالم الخيال .. » ..
فراغٌ كما لو أنه في سماء الدنيا ، له لون فيروزي مُخضب بإشراق ، ويفصله عن الأرض سحاب .. بل هي سُحب تشبه لون بياض الثلج عندما يفترش قِمم الجِبال .. وكأن هذا اللون مُضيء ، لا يُدرى من أين يُضيء ! ..
امتدت السُحب العجيبة إلى الآفاق ..
امتدت حتى التقت بالسماء ، بلونها الصافي الخلاب ، الذي يسحر الألباب ..
وبينما المشهد يأخذ بالأبصار .. إذ ظهرت لمعات براقات ، تزايدت أعدادها وسُرعاتها حتى ظهرت من بين ثناياها ثلاثة أطياف لأشخاص يبدوا عليهم نصاعة أرقى الجُمان ..
وعندما وَضحت صُورتهم ، مضوا يتحدثون ، وهُم يطيرون بجوانح تشبه أجنحة الفراش ..
قال الأول مُتعجباً :
ــ « كيف يُضيع انتمائه لعالمنا ؟!! .. »
أجاب الثاني :
ــ « لذلك سيحاكم .. »
تبرم الثالث ، وهو يقول :
ــ « أكره أن أخرج من عالمي الذي أحببته من أجل هذا الكسول .. »
تضايق الثاني ، وأعلن قائلاً :
ــ « ومَن لا يكره أن يخرج من عالمه الرائع ذاك .. »
قالها وهو يُشير بحركة نبيلة إلى السماء ، ثم أردف بحزم :
ــ « دعونا نُنهي مُهمتنا ونرجع .. »
تجاوزوا السحاب ، وهبطوا بسرعة البرق أو يزيد ..
وتواجدا وَاقفين على رأس أحد الأشخاص ، وهو يغط في نومٍ عميق على فِراشٍ يتوسط غرفة ..
اقترب منه الطيف الثاني ، وضاقت حدقتاه وهو يُلوح بِذراعه اليُمنى بِبطء قُرب الظهر المُنحني على الفراش ، وكأنه يزيح بها شيء ما .. وما أن نقلها وأزاحها جانباً في الجِهة الأُخرى حتى ظهر كأنما ضباباً تبدد لِيُبدي جناحاً لفراشة مهروساً ، مُنبسطاً أسفل الجسد المُمَدد المُمتلئ .. ويبدوا الجناح مُهترئاً ذابلاً ..
وتبادل الجميع نظرة أدركوا مغزاها جيداً ..
ثم التفت الطيف إليه ، وانحنى عليه مُدققاً بعناية في وَجهه المُستغرق في النوم ، وبقى لبرهة ، ليرفع رأسه يُواجه أَخويه مُقرراً :
ــ « إنه في المرحلة السابعة من نومه .. ولا بد أنه مُستعد الآن لأي فكرة حُلم .. علينا أن نلِجَ إلى أحلامه كي نقتنص عقله الباطن إلى عالم الخيال .. » ..
وما أن قالها حتى انضموا إليه ، وتحلقوا في حلقة تجمعهم ، وتشابكت أصابعهم واتصلت ، ووَضعَ أولهم أصابع يده اليُمنى على الرأس النائم ، في حين حاكاه الأخير ، واستقرت كفه اليُسرى جانب أصابع أخيه ..
وسكنوا سُكوناً مَهيباً ، واختفت أحداقهم تحت أجفانهم في تركيز عجيب ، وتلونت أجسادهم بألوان فسفورية شديدة الضَوء رائعة ، وهي تتلاشى ..
وكأنما تتلاشى من وُجودها في المكان ، لِتنسحب إلى موضع أكفهم المُستقرة على جبهة أسيرهم ..
* * *
 
( 2 )
ظلام دامس يُحيط بالمكان ، إلا من أطياف ثلاثة يشع رِدائهم بياضاً ناصعاً ، يُولُونَ وُجوهَهُم اتجاه ثِمة أثير على بُعدٍ منهم يشع منه قليل من الضَوء ، تحتل شاشته صورة مُتحركة تتحرك في هيام ، تحمل وجهين لِمُمثل ومُمثلة ، يهيمان حُباً وعِشقاً ، كلامهما شِعراً أخاذاً ..
ومع ذلك لم يبالي الأطياف الثلاثة به ، إذ تجاوزوه ، وأولوا ظُهورهم شَطره .. وأقبلوا على شابٍ في أوائل عقده الثالث ، يضجع على أريكة وَثيرة ، هو نفسه الشخص النائم ، حتى أنه قد بدا غافياُ ، حيث كان مُسبلاً عينيه في كسل ، وهو يُتابع ما يبثه الأثير في تأثر بليد .. ولم يكن مُنتبهاً إليهم ، إذ كان شاغله يسلبه أكثر عنهم ..
تقدم إليه الطيف الأول في حسم ، وقال له بقليل اشمئزاز يشوبه وقار :
ــ « أنت يا هذا .. هَلم معنا .. » ..
وآزراه صاحبه الثاني واقفاً جانبه ، يُخبره بحزم :
ــ « أنت مطلوبٌ في " عالم الخيال " .. » ..
انضم إليهم الثالث ، وقال مُترفعاً ، سائلاً إياه في تهكم :
ــ « أتعرفه ؟! .. أم تُراك لا تدري بحال ؟ .. » ..
بصعوبة تحول انتباهه ، ونظر لهم نظرة استياء ، وهز رأسه وكأنه لم يستوعب المُراد ، فأخذ نفساً ثقيلاً خرج معه صوته بطيئاً رديئاً ، وقال :
ــ « مَن أنتم ؟!.. لا أعرفكم.. حالي من شأني.. دعوني وانصرفوا، اغربوا عن وجهي.. فليس لي معكم صفاءُ بال » ..
تبادلوا نظرات تشي بعدم قُبوله مثل هذا السلوك الراقي ، وأقروا بإيماءة أُخرى أمراً آخر ..
مد الأول طُول ذراعه نحو الشاب فتحرك على أثرها أَخويه الطيفان نحو إشارته ، ومالوا عليه من يمينه ومن يساره ، فيقبضون على ذراعه برفق يُجبروه مُعاونتاً على النهوض من على أريكته البالية .. حاول التملص بضعف .. ولكنه سرعان ما استسلم ..
وحلقوا به .. وارتفعوا إلى أعلى فِجاجٍ خيالي …
وعند حدٍ ما توقفوا فجأة في الهواء، ثم أغمضوا عُيونهم، وفي لحظة يُخيل أنهم قد راحوا في سباتٍ عميق.. وإذا بظِلالٍ فسيحة تتكون ثم يعقبها تغير إذ تتلون، وببطء من بين السحاب تتخذ تفاصيلها.. كأنها جزيرة رحباء ظهرت من بين الضباب ..
جزيرة مُترامية شاسعة في بحر السماء ، تدعوا إلى العُجاب ، مُزدانة بشتى الأشياء ..
فتحت الأطياف أعينها ، وتكحلت بالمنظر الخلاب ، وميزوا على وُجوههم نسمات جوها الصافي ، وبرق في عُيونهم تُرابها الزعفران ..
وهفت نفوسهم إلى الوُلُوج في طُرقاتها المُستقيمة الواسعة المُطهرة التي لا يحدها حاد، وضاقت صدورهم عندما لمحوا تلك الطُرق البعيدة المؤدية إلى الشمال الغربي، والتي يُطلق عليها " سُبل الشيطان "، بلافتة مكتوب عليها ذلك، تُشير للاتجاه ..
طافت عيونهم على ارتفاعٍ عالي بين راسياتٍ من البيوت المُشيدة على الهواء بلا أعمدةٍ أو مُمسكات، تحوط كلً منها حديقة غَناء ..
وتحركت مشاعرهم اللطيفة عندما تتطلعوا في جو سمائها إلى هؤلاء الأطياف الطائرة الساعية بين أقطاب الجزيرة السماوية ..
غاب عنهم أمرهم للحظات، ما تذكروه إلا عندما ابتدأت بوابات زُجاجية شفافة تنسحب بهدوء، تفتح لهم سبيلاً إلى الجزيرة ..
وريثما يتأهبون للدخول إذ يلتفتون إلى رفيقهم ، ويُلاحظوا أنه لا يُبالي ببال ، في حين أن هذه دِيارهم ، ويشتاقون إليها كلما بعدوا سُويعات ، فسأله أحدهم مُندهشاً :
ــ « ألا تُغريك هذه الحياة الرائعة ؟!! .. » ..
نظر الشاب حوله ، ثم قال ساخراً :
ــ « أيُ حياة هذه التي تقصدها .. ولكأنك تصف مَشهداً فتان .. » ..
بادره الطيف بسرعة ، بلهجة صادقة :
ــ « ولكنها أمامك فعلاً .. جزيرتنا .. جزيرة " عالم الخيال " .. إنها أمامك .. » ..
طرأ العجب على الشاب :
ــ « أمامي ؟! .. » ..
ثم أردف بضحكات تهكمية مُتشككة :
ــ « لا أُحب المُداعبات يا صاح ، لا أرى شيئاً مما تقول .. » ..
تبادل الأطياف الثلاثة نظرات تُوحي من خلالها حقيقة الشاب ، وما حل بشأنه ، وما إليه آل ..
تغاضوا عنه ، وعندما سلكوا طريقهم إلى هذه اللوحة البديعة الرحيبة الحية هبطوا ، واستقرت أقدامهم المنعولة بحذاءٍ فِضي براق على أرضٍ ملساء من المرمر النفيس .. والتجئوا لمقعد على مقربةٍ منهم أبيض يشوبه اخضرار يشبه إلى حدٍ ما مقاعد الحدائق ..
وتنفسوا الراحة عليها ، وهُم يرمقون الشاب بين أيديهم ..
بعد برهة .. كأنما انتبه الشاب إلى وضعه الغريب هذا ، فتسائل مرهوباً يبغي إجابة :
ــ « أيُ بأسٍ ينتظرني .. أأنا على وُصولٍ للجحيم ؟! .. وأنتم ملائكةٌ بذلك مُكلفين .. » ..
أجابه أحدهم ، وقد ابتسم وهو يهز رأسه مُعتبراً :
ــ « يا هذا أتشعر ذنباً اقترفت ؛ لذلك ارتعبت ؟ .. » ..
رد عليه الشاب بضِيق :
ــ « لا أعلم ، كل ما أظنه يقيناً أنكم تأخذوني بإثمٍ يُؤهلني لمرافقتكم إلى مجهول ليس فيه دِعة من أمري .. » ..
ضحك ثلثهم في سخرية ، في حين ابتسم الثالث ، وقال في تهكم :
ــ « ياه .. أخيراُ رضخت لقبضة عدالتنا ، واعترفت بذنبك .. » ..
في هذه المرة حلت السخرية على وجهه ، وفي صوته ، وهو يقول في صفاقة :
ــ « ولكنني لم أقل أنني ارتكبته .. فهمتموني خطئاً .. » ..
وراح يضحك مُنتصراً مُتشفياً ، بأنه قد رد سخرتهم عليهم ..
وقف أحدهم يرمقه في تقزز ، قائلاً بنبرة مُحبَطة :
ــ « لا فائدةً تُرجى منك .. هذه عِلة وُجودك الأخير هنا .. » ..
ثم اتخذ وضعاً حازماً ، وقال بصرامة آمرة :
ــ « هيا .. مهمتنا تنتهي عند سجن الحُدود الصحراوية بين اليمين والشِمال من " عالم الخيال " .. دعونا نتخلص من هذه البلية .. » ..
* * *
( 3 )
ظلامٌ أشد .. انبلج وضاء مكمنه الذي تمدد فيه بكسل وتراخي ، وكأن أمراً لا يعنيه ..
اكتسح الضِياء المكان فور وُلوج رجل وَسيم في ثيابٍ تشبه ثِياب الأطياف، ولكنها تبدوا أرقى وأجمل.. وألقى السلام ..
تململت عيون الشاب في خُمول جراء هذا النور المُبهر ، وانتابه انزعاجٌ أرق نومه أمام هذا الرجل المُعتد بنفسه الذي كان يتأمله في صمت رصين ..
فنهض جالساً في تؤدة يُواجهه ، وهَّم أن يسحب جسده ليسند عُود ظهره على أي جِدارٍ يُقابله ، ولكنه استند على فراغ ، وكأنما انسحب مِقعد من تحت فخذه فسقط للوراء ، كأنه جُوالٌ مصقول ، فقام من سقطته ، وهو يصرخ في سخط جَّم :
ــ « تباً لسجونكم هذه التي بلا جُدران .. » ..
تخلى الرجل الوسيم عن تأمله وهو يهم بالجلوس .. ولكن لم يكن هناك ما يجلس عليه ، وبرغم ذلك جلس جلسةً مُريحة أمام عُيون الشاب الجاحظة اندهاشاً ، وقال بهدوء مُريح :
ــ « أيؤرقك هذا المكان ؟ .. » ..
أجابه الشاب بعدما تغاضى عنه في تكبر ، آلفاً هذه الخوارق هنا :
ــ « نعم .. كأنه يبغضني فيُعاندني .. » ..
ــ « لو شئت لكان مكانك أفضل .. » ..
ــ « إن لي مكاناً أفضل .. ولكنكم كفيتموني عنه .. » ..
ــ « تقصد بيتك في عالم الواقع ؟ .. » ..
ــ « نعم أقصد بيتي .. وإن كنتَ تقصد بعالم الواقع ( الأرض ) فنعم .. هذا كوكبي .. » ..
ــ « ليس كوكبك .. كوكب الأرض كوكبنا .. فهو ليس للعاطلين والكسالى .. » ..
اصطنع ضحكة ساخرة ، وهو يقول :
ــ « ليكن .. إلا أن أرضنا لا ينطبق عليها قوانينكم المُتحررة هذه ، والتي أُسميها الخارقة على غير العادة .. » ..
ــ « أسمها كما شئت ، ولكنك في الأصل لا تُدرك من الحقائق إلا القليل .. » ..
ثم استدرك بسرعة :
ــ « نحنُ لم نؤتى من العلم إلا قليلا .. وأنت بشخصيتك لم تستوعب من هذا القليل إلا كذرة من ذراي جسدك .. كل شيء له حقيقة متوارية تكمن فيها قُوتها وإمدادها .. فقط يحتاج الإنسان لمرونة وشيء لا بأس به من الخيال ، وساعة ذلك يستطيع التعامل بسهولة في حياته .. ولك أن تعلم أننا نحن وعالمنا الجُزء المُتواري .. أما ( الأرض ) هو الجزء الجلي .. عالم من الوقائع يمده عالمٌ آخر من الخيالات والأحلام .. عالمنا كبير .. فوق ما تتصور .. » ..
سكت هنيهة ، ليرى رد فِعل الشاب الذي كان ساهماً ينظر إليه في سقم لا يُنبئ بتقبل الكلام ، فأراد الطيف أن يُقنعه بشكل آخر ، فقال بلطف :
ــ « سامحني لم أعرفك بنفسي بعد .. اسمي " سهم " .. مُواطن في " عالم الخيال " .. هذا العالم الذي تتواجد فيه الآن ، وتُصيبك بعض الحِيرة من قوانينه .. كما يُمكن أن تُسميني ضابطاً ، إنني مسئول هذه البُقعة من هذا العالم ، وهي التي نستقبل فيها بعض الأفراد غِرارك لحين محاكمتهم .. ولكنهم للعلم قلائل .. لذلك إن مُعظم تواجدي ليس هنا .. بل في جزيرتي المُلهمة حيث بنيتها ، في " عالم البِحار " .. وهي رائعة بحق لو أحببت رؤيتها .. » ..
خيم الصمت عليهما لمدة نصف دقيقة ، وقد عاود الرجل النظر في وجه الفتى مُحاولاً استشفاف نتيجة محاولته ، ولكن بعدها شق الصمت ضحكة مُجلجلة من قِبل الشاب لم يفهم " سهم " مكنونها !
هز الشاب " رأسه " مُستنكراً ، وهو يُقاوم الضحك ، ويقول في ضراوة :
ــ « ه هها .. لِمُدةٍ ما أوشكت على تصديقك .. » ..
وأردف ببساطة :
ــ « وَهم .. كل ما تقوله وَهم .. لن تستطيع خِداعي .. » ..
نظر له " سهم " مُستعتباً برهة ، ثم تغاضى عنه حائراً شارداً يُفكر للحظات .. ثم تحول إليه بغتة ، وهو يسأله :
ــ « كيف تُفسر وُجودك هنا على هذا النحو ، وهذه السُرعة ؟ … » ..
أجاب الفتى بامتعاض ، وهو يهز كتفيه في لا مُبالة :
ــ « ما هذا إلا أضغاث أحلام .. » ..
فلاحقه " سهم " سائلاُ :
ــ « فكيف تُفسر رؤيتك هذه الحياة ، وأشكالنا وهيئتنا التي هي بخلاف هيئة مَن تألفهم في واقعك ؟ .. » ..
ــ « أرى كل ذلك مثلما أُشاهد عمل سينمائي هزلي على الأثير.. أو كما قُلتُ من قبل.. ما هي إلا أحلام يبثها عقلي الباطن » ..
ــ « هل تعتقد أنك تحلم الآن ؟ .. » ..
ــ « نعم .. إن الحلم يتمكن من المرء حتى يشعر هذا الأخير أنه حقيقة واقعة بكل أحاسيسها ، وأحياناً يُدرك الإنسان أنه يحلم مع أنه يتأثر بكل المواقف خلال حلمه .. » ..
ظهر طفيف غضب على " سهم " ، ثم قال باندفاع :
ـ « تباً لك .. ألا تُميز حقيقة مُبهمة تحورت لك ملموسة .. ألا تُقدر ذلك ؟! .. » ..
ظهر الغضب على وجه الشاب ، ثم قال في كظمٍ لغيظه يسير :
ــ « إنك تخدع نفسك .. كُلكم مخدوعين .. » ..
بدت الدهشة والحِيرة على وجه طيف الرجل " سهم " ، وهو يتساءل :
ــ « مَن منا المخدوع ؟!! .. » ..
ثم أردف قائلاً :
ــ « أنت مخدوعٌ في حقيقتك .. ومخدوعٌ في حقيقة وُجودك .. » ..
ــ « أحقاً ؟! .. فما بالُ جمع الناس جميعاً يُعززون اقتناعي ، برأيك ؟ » ..
ــ « ليس كلُ الناس بحقك .. بعضهم مخدوعٌ مثلك .. » ..
ثم أخذ نفساً عميقاً يُنفث عن حرارة الحديث ، وقال بصرامة :
ــ « كفى .. رغم مُناقشتنا الجانبية لك فلم تلتقط

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حب على ورق

كتبها عمر أحمد " أمير الخيال " ، في 14 فبراير 2006 الساعة: 18:08 م

حـــــب على ورق
لا أعرف إن كنتم ستحكمون على قصتي هذه بإيجابية ربما تسرني أو تضجرني .. أم بمثالب لها الوقع الخطير علىَّ إذا لم أكن موفقاً أن أُوصل لكم أفكاري ومشاعري أو أن أستطع أن أؤثر فيكم ولم أجعلكم تعايشوا قصتي بنظرتي ورؤيتي ..
على كل حال هذه الرواية ، أو إذا كانت قصة ، أو ربما كانت لا شيء .. أو أياً كانت .. فإني أريد أن أعرف الحقيقة .. الحقيقة فقط .. حقيقة قصتي من كل الزوايا ..
أريد أن أعرف آرائكم فيها يا أصدقائي وإخواني وأخواتي بمنتهى الصراحة والنقد الأدبي الدقيق .. سأدع لكم عملي هذا لتدخلوه حجرة التشريح ؛ لتفندوا كل خلية فيه وتحللوها ، وتكشفوا عنها بالميكروسكوب الالكتروني .. وتخرجوا بنتيجة مفصلة من شأنها أن توجهني للعلاج لرواياتي وقصصي القادمة بإذن الله ..

أما الآن فها هي روايتي .. عيشوا معها أرجوكم .. واضعين أنفسكم مكاني .. وكل لبيب بالإشارة يفهمُ ..

لست امرؤ هوائي .. إنني أعرف ما أريده .. وأسعى لتحقيقه .. وأكثر نظراتي صائبة .. أقيس كل شيء بمقياسه ..
أعترف أني ذو شخصية دقيقة واقعية .. رغم أني أعشق الخيال .. إلا أن هذا الأمر نفسه يدعم فكرة أني واقعي .. عندما أعايش الواقع وأجده كما أراه حقيقتاً حياة قاسية .. وليس لي قدرات مألوفة لمجابهتها ..
إذاً فأنا واقعي .. وعليّ أن أشرع في التفكير لاستخدام قدرات أخرى تعينني على مسايرة الحياة والعمل على بلوغ قمة بين دنيا الناس ليروني ، لأثبت أني مثلهم لي ذات وقدرات .. بل أني أفضل منهم .. لأنهم خلقوا جميعاً متشابهين ومتعارفين على أدوات بلوغهم القمم ..
أما أنا فلم أتعارف على قدراتي وإمكانياتي .. لذا كان علي التعرف .. وكل ما أملكه عقلي .. وعقلي من مميزاته التفكير .. والتفكير هو الخيال .. لا يستطيع إنسان مهما كان أن يفكر .. إلا إذا تخيل ..
كلاهما واحد ..
التفكير والتخيل .. ومن هنا بدأت أتخيل قدراتي .. وأتعرف عليها .. وأنميها .. لأسمو بها في دار السباق نحو الفضاء وأجوازه الشاسعة الرحباء ..
لذلك الخيال هو نبع طاقتي لأستخدمها في الاستمرار على العمل من أجل غايتي في الدنيا والآخرة سواء ..

***

التدقيق والجدية هما جزء من شخصيتي .. حتى أيام سن مراهقتي كانت تجتمع فيّ هاتين الصفتين .. لذلك عندما لاحظت هذه الفتاة لأول مرة في حياتي مارة من أمامي ، شعرت أني انتقلت من عالم الأرض إلى عالم الندرة .. لم تكن فتاة عادية كمثل هذه الفتيات اللاتي يمرحن في الطرق مبتذلين مسفين .. كانت عجيبة .. وأنا خبير في العجائب والغرابة .. وفي الندرة ..
من أول نظرة لها أحسست أنها فتاة نادرة قل ما توجد في هذا العالم .. من أول نظرة لها شعرت بشيء لا أستطيع وصفه ، إلا أن أشبهه بأنها كشيء ناصع البياض من شدة بياضه يضيء نوراً كقرص الشمس ..
هذا التشبيه يفسر به ما خالجني وقتها ، وما كان يخالجني عند رؤيتها .. عبارة عن مزيج من التصورات التي تتفتق إلى كياني ويترجمها عقلي .. ثمة شعور بالطُهر والشفافية والطيبة والإعزاز والرُقي ..
انجذاب لشخصيتها ..
انبهار بجمالها النادر .. ربما أكون وحدي من رآها كذلك ..
وعندما خليت لنفسي .. بحثت عما يكون ذلك ؟.. وحِرتُ قليلاً !! .. وازداد تفكيري عُمقاً .. إلا أن الحقيقة كانت جلية ، أظهرت عن إعجاب .. ولأني مغرم بالأشياء النادرة .. حتى في الجنس الآخر .. فأيقنت أني سأزداد إعجاباً بها تلك الفتاة ..
لا يجذبني الجمال العادي أو الجمال الأخاذ .. ولكن ما أن يلفت نظري جمالاً نادراً حتى يأخذ بلُبي .. وهذه الفتاة لم تكن جميلة بهذا الجمال النادر فحسب .. وإنما أَضاف الله تبارك وتعالى على جمالها رُقياً عالياً في شخصيتها .. استشففته من فوق رسمتها ووجهها .. تلقيته بدراستي لأعماقها عن طريق تعابيراها وحركاتها وسكناتها .. بعد كل ذلك لم يكن من فِصال أني سأحبها بل وأعشقها عشقاً ..
توالت المرات التي أراها فيها .. ولا تتبدل مشاعري اتجاهها .. ولا ينقص انفعالي عند وجودها ..
كم تعذبت لأني كنت أتمناها زوجة لي .. ولكن كانت هناك معوقات تحول دون حتى الاقتراب منها .. عائلتي سترفضها لأنها ظاهرياً لا تتساوى في مستوى تديننا ..
مَن يجزم أنها ستقبل بي على ظروفي وحالي هذه .. عن نفسي أنا لا أقبل .. لأني أحبها جداً جداً .. لا أريدها أن تعيش حياة بائسة معي .. وتُكابد المتاعب من أجلي .. أحسست أن هذا لا يليق بقدرها .. قررت أن أحاول نسيانها .. محاولات ومحاولات .. ولم أفلح ! .. جنوني بحبها كعاصفة عاتية تلهو بسفينة راسية ..
وأردت أن أفعل شيئاً إيجابياً .. إلا أن ما من شيء سيفيد على الإطلاق ..
لقد قدر الله أن يكون حبي لها حباً صامتاً .. نعم .. لقد أحببتها في صمت .. حب من طرف واحد ..
ولكني بعد فترة فكرت .. وأبيت ذلك .. وأردت إعلامها أن هناك في هذا الكون مَـن يحـبـ .. بل يعشقها .. وكانت الوسيلة الوحيدة إلى ذلك هي .. الورق ! ..
نعم الورق ..
سأرسل لها خطاباً أحدثها فيه عن كل شيء.. فيما عدا أوصافي وحالي التي تُبين عن شخصيتي ..
ولكني في النهاية لن أستفيد شيء ..
وشرعت في عمل أول خطاب .. وأرسلته بالبريد .. وهذه وسيلة لم أتأكد منها أن خطابي وصلها أم لا ..

وهكذا أرسلته ..

بسم الله الرحمن الرحيم

أميرة :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
سواء كان اسمك هذا أم لا .. فأنتي تستحقي عن جدارة لقب " أميرة الجمال " ..
تلك الكلمات قبل أن أتأكد من اسمك .. أما بعد ذلك .. فأنتي اسم على مسمى بالفعل ..
لعلكي ستندهشين من أول وهلة لقراءتك خطابي .. ولعل أُسرتك إذا اطلعت عليه ستندهش ، وربما تدور بهم الأفكار .. ولكن أقرر وأُقسم أنه ليس لكي أي ذنب على الإطلاق إذا قرأت أُسرتك الخطاب ودارت بهم الأفكار .. ما ذنبك أنتي ؟ ..
ليس لكي أي ذنب على الإطلاق ..
هل ذنبك أنكِ جميلة ؟ ..
هل ذنبك أنكِ مؤدبة محترمة راقية لستي كأي فتاة ، رآكِ مرة شخص تمرين من أمامه عبر الطريق فـذُهل ؛ لأنه رأى شيء مـس قلبه .. وتكررت المرات يكتشف في كل مرة شيء فيكِ شيء جديد أخاذ ، حتى تعلق بذلك الوجه الملائكي الجذاب ، والذي يميل إليه قلبه .. بل قلبي .. هذا الشخص هو أنا .. وليس سواي ..
أعلمكِ أنكي لا تعلمي عني أي شيء على الإطلاق ..
لستي سوى فتاة جميلة عذبة تمرين من أمامي .. أتأملكِ .. حتى ارتفع ذئبق إعجابي بكِ إلى درجة " الــحـــب " ..
وعندما أذكر لكِ هذه الكلمة .. فلقد تأكدت تأكداً محضاً أنه " الــحـــب " .. لستُ مراهقاً ، ولا أي من الأشياء التي تدور بعقلك .. لا ..
إني بالفعل يا " أميرة " أهواكِ .. أحبكِ .. بقدر تمكن حبك من قلبي ..
ما كنت أرى وأنظر إلى وجهك الوضاء لأول مرة حتى أحسست بشيء جميل دخل قلبي وعقلي ، وأشعرني بالارتياح داخلي ..
ومما أكد حبي لكي .. رغبتي الشديدة لرؤيتكِ ، وشعوري باقتراب منكِ رغم البُعد الذي بيننا .. ورغم كثرة رؤيتي لكي فلم أمّل رؤية وجهك أبداً ، رغم أني أهيم بحبك فوق العام إلى الآن ، ولهذا فقد علمت أنكِ " ذات الـجـمـال الـنـادر " الذي لا يمّل منه أحد ..
كنتِ عندما تمرين أحياناً أجدك حزينة بعض الشيء .. فأشعر بذلك .. ولا أعلم هل يظهر ذلك على وجهك أم ماذا ؟!!! ..
وأحياناً أُخرى أجدك سعيدة مبتسمة .. فتغمرني السعادة لسعادتك وابتسامتك ..
كنت أتأكد من شعوري هذا بكِ .. أستطيع أن أرى ما بداخل أعماقك ..
أراكِ مختلفة عن كل الفتيات ، حتى الحسناوات منهن .. وحبي لكِ جعلني أكتفي به عن نظري لأي فتاة أُخرى ..
لن أستطيع وصفك يا " أميرة " .. إنكِ داخلي شيء كبير جداً جداً ..
إحساسي بكِ أنكِ غزيرة المشاعر الجميلة .. لعل وجهك يُظهر هذه المشاعر فوق وجهك الوضاء الجميل ، فيوحي لي بالكثير والكثير من صفاتك وشخصيتك ..
فوق العام الآن وأنا أراكي وأشعر بحبك فيّ يُغذي أمالي ونظرتي للحياة ..
في اليوم الذي أستشعر رؤيتي إياكِ .. بالفعل يتحقق ذلك .. وأراكي .. أظل أُراقب قُدومك ومُرورك .. وعندما يحين .. أراكي من بعيد .. وعلى رغم البُعد .. فإني على الفور ألمحكِ ، وأعرف أنه أنتِ .. فلقد رُسم في عقلي مشيتك ونور وجهك .. ومن ثم أجدني مضطرب الأنفاس .. وتهتز كل خلية من خلايا جسدي ارتعاشاً .. وفي أعماقي عند قلبي أشعر أن كل خلجة من خلجاته تنبض باسمكِ .. " أميرة " .. " أميرة " .. " أميرة " .. معلنة استعدادها للتحليق عالياً .. ولا تكاد حتى أشعر بقلبي كله يطير فوقي ويتجول بين حديقة غناء في الجنان معلناً قمة السعادة بأغنية الحب الجميل الصادق ..
لا أعلم لماذا أنتي ؟!! .. هل ربما لشعوري بتقارب بيننا أفكاراً ورُوحاً ورُومانسية …
لو تعلمي كم أنا جم المشاعر والأحاسيس .. ولا أتصور أنه يوجد في هذا الكون مَن يهيم فيكِ حُباً وغراماً وعشقاً ..
إنني يا " أميرتي " أحـبـك " فوق ما تتصورين .. لقد عشتِ معي في كل أوقاتي ، ومع كل تفكير في الجمال ذاته ..
أحياناً .. بل أكثر الأوقات أنظر إلى الطريق الذي تقطنين به .. وأستحضر صورتك البهية أمامي .. وأتمنى لو أطير إليكِ اشتياقاً لكِ .. وأُفضي إليكِ بعذابي وحيرتي ومشاعري وضائقاتي .. وكذلك أنتي تفعلين .. وكأني بهذا أعتقد أنكِ حناناً جارفاً .. وحباً بالغاً .. وسكينة مريحة .. وسعادة وافرة اقتطعت من سعادة الجنة ..
أحياناً أحلم بكي في منامي .. أجدنا أنا وأنتي نحب بعضنا حُباً شديداً .. وحبك لي شغلك عما حولك ، حتى كأنكِ تشعرين أن لا أحد هناك سوانا .. وتظهر السعادة المطلقة عليكِ لوجودي معكِ ……….
ولكنه حلم .. أستيقظ على صداه حزيناً لإدراكي أنه .. حــلــم .. كنت أتمنى أن يكون حقيقة واقعة ..
لا أعلم لماذا قررت أن أبعث إليكِ بهذا الخطاب ؟!! ..
ربما عندي أمل ؟!! ..
ربما لأني أُريدك أن تعلمي أنه يوجد في هذا الكون إنساناً يُــكِّــن لكي من المشاعر الجمة ما لا يتصوره عقل ..
أو ربما أُريدك أن تملكي شيء أملكه ..
لم أجد غير الخطاب .. هو الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أكلمك من خلاله ..
إنني حتى لم أستطع أن أجعلك تنظرين إلي .. فأنتي عندما تمشين .. لا تنظري إلا أمامك .. وهذا عسر عليَّ لفتي لنظرك ..
لم أشأ أن أرسل لكي الخطاب قبل ذلك ؛ لأني رأيت أنكِ ستكونين في أزمة الامتحانات ، خوفاً عليكِ وتحقيقاً لعدم انشغالك وحرصي على فرحك وسعادتك .. وضماناً لمستقبلك .. فأنا إذا أحببتك فعلاً ؛ فأتمنى لكي كل السعادة في مستقبلك وحياتك عامة ..

كان هذا هو الشيء الوحيد الآن لأصل إليكِ يا " أميرة " ..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أقرب من قلبي .. يا أملي .. يا حبي العظيم .. يا أحلامي الجميلة .. يا مَن أسميتها ..

" أمـــيــــرة الــجــمــال " .

عمر

وبعد خطابي الأول لها بعدة أسابيع كان خطابي الثاني إليها .. خطته بأشواقي وشجوني ، ورسمت على جانبه الأعلى وردة ناعمة ذات ألوان زاهية ، يتفرع من تحتها ثلاث وريقات مزركشة بتدرج اللون الأخضر في تمازج جذاب ..

بسم الله الرحمن الرحيم

أمــيــرة ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

في المُدة التي بعثت إليكِ بخطابي فيها انتظرت كثيراً لكي تمري وأراكي .. وساورني القلق .. واعتقدت أن عدم مرورك ؛ سببه خطابي .. ولكن أخيراً رأيتك ، وكانت علامات رحلة الصيف للبحر على وجهك الجميل .. فرحت كثيراً لرؤيتكِ .. ولكني لم أتأكد أن يكون خطابي لكي الأول وصلك أم لا ؟ ..
أنا المحب العاشق المجهول ..
أنا الذي أذُوب غراماً فيكِ يا " أميرة " ، وأنتِ لا تشعرين بي ، ولا حتى بوجودي ..
كلمتك بخطابي السابق عن مشاعري اتجاهك .. ما كنت أرى وأنظر إلى وجهك الوضاء الخارق الجمال لأول مرة أراكي تمرين من أمامي حتى تعلق قلبي وعقلي بذاك الوجه الملائكي الجذاب .. وجهك ..
أنتي يا " أميرة " لستي كأي فتاة .. وإلا ما انتبهت إليكِ عيني ، ولا نبض لمرآكِ قلبي ، ولا ارتعش لوجودك جسدي ، ولا اضطرب لنور وجهك عقلي ..
هل هذا ممكن ؟!! ..
أن أحبك يا " أميرتي " دون أن أكلمك ، أو حتى تنظري لي .. وننظر لبعضنا .. ربما لم يحدث لكِ .. ولكنه حدث لي .. ونظرت لكِ في كل مرة كنتِ تمرين .. أتأملكِ بدهشة وذهول !! ..
هل من الممكن أن يوجد في هذا الكون فتاة بمثل هذا القدر من الجمال وأناقة شخصك ؟!!! ..
أنتِ بالفعل لستِ سوى فتاة جميلةــ جمال نادر ــ عـذبـة ، تمرين أمامي .. جوهرة ساحرة براقة .. تشعي ببريق يعمي العيون ، وظللت هكذا حتى انفجر ذئبق حبي لكِ .. وكلما مررتِ وأراكي ارتفع حتى انفجر .. علمت من ذلك أنكِ " ذات الجمال النادر " .. رغم كثرة رؤيتي لكِ فلم أمّـل نظري لكِ ووجهك الوضاء النادر .. بل يزداد تعلقي بكِ !! ..
وليس لجمالك فقط .. بل أيضاً لشيء ما في شخصك وروحك جعلني أنجذب إليكِ بهذه السرعة والقوة ..
صدقيني يا " أميرة " .. فلقد ذكرت لكِ في خطابي الأول أني تأكدت تأكداً محضاً لا شك فيه من حبي لكِ ..
رغبتي الشديدة لرؤيتكِ ..
وشعوري باقتراب منكِ رغم البعد الذي بيننا ..
سعادتي الجمة لرؤيتكِ أمامي ووجهك الوضاء الأخاذ ..
إحساسي باختلافك عن كل الفتيات ، حتى الحسناوات منهن ..
إحساسي بكي أنكِ غزيرة المشاعر الفياضة الجميلة ..
ترقبي لكِ دوماً لمرورك حتى أراكي وأهيم بجمالك وشخصك المثيرين للحيرة والدهشة ..
عندما أراكي من انحرافك من طريق مسكنك أعرف على الفور أنه أنتِ .. فلقد رُسم في عقلي وقلبي مشيتك وضياء وجهك ، وأظل أُتابعك بنظري حتى تكونِ أمامي .. وقتها يُجن جنوني داخل نفسي .. فأنتي أمامي !!.. تنتابني حالة من الذهول .. وكأني أريد النداء عليكِ بأعلى صوتي ، ولا أهتم للمارة ولا للناس الذين يتناثرون في الطريق ..
بعد ذلك تبتعدي عني ، وأظل أُتابعك بنظري من بعيد .. حتى تغيبي عن نظري بين المارة من بعيد …
وصفت لكي حالي عندما أراكي في خطابي السابق ، وقلت لكِ : أني لا أتصور أنه يوجد في هذا الكون مَـن يهيم بكِ حـبـاً وغراماً وعشقاً .. وأنكِ داخل عقلي وقلبي شيء أحمل له من العاني الجميلة ، والمشاعر الرقيقة المحبة بجنون ، والآمال الكبرى الــكــم الــوفــيــر ..
حُــبــي لكِ جعلني لا أُفصح عن شخصيتي .. فلن يفيد الأمر إطلاقاً ..
لقد عشتِ معي في كل أوقاتي ، ومع كل أفكاري ، ومع كل تفكير في الجمال .. الذي تتمتعين به ، بل وبالندرة منه والذي أحبه فيكِ .. أشعر أني أسعد الناس حظاً لفوزي بحـبـي لكِ .. فأنتِ صورة كاملة داخلي .. سواء جمالك النادر ..
شخصيتك التي تلمع لـي على وجهك الناصع الجمال ..
مشيتك المستقيمة ..
وأعجبني أنكِ لا تضعين أي نوع من مساحيق الزينة .. ولماذا تضعي ؟!! .. وأنتِ بغير هذا " أمـــيـــرة الــجــمــال " ..
كفى أنكِ الوحيدة التي دخلت قلبي بمثل ذلك القدر من الـحـب .. إني أُحــبــك .. أُحــبــك .. أُحــبــك ..
أكثر من عام منذ بدأ حبي المشتعل لكِ .. وكان اليأس يحاورني ، وحاولت نسيانك .. لكن أكتشف أن حبك داخلي يزداد .. وأتمسك بكِ أكثر .. بل أُقرر في نفسي :
( إنها لا تستحق بأي حال من الأحوال أن تُنسىَ أو تُتجاهل ) ..
أتمنى أن أصل إليكِ .. و .. تحبيني .. مع أني أعرف أنه لا يمكن ..
إنني أتعذب يا " أميرتي ".. الشخص الذي يذوب عشقاً فيكِ يتعذب .. يحترق من أجل حبه لكِ .. وأنتِ لا تشعرين حتى بوجودي !! ..
لا أجد الكلام الذي يناسب " أميرة الجمال " أو " ذات الجمال النادر " .. كما أن